محمد عيسى
في خضمِ التحولاتِ التي تعيشها سوريا، بين ركامِ نظام انهار وآخر لم يُولد بعد، تلوحُ فكرة دمقرطة سوريا خياراً وحيداً ومصيريّاً للخروجِ من النفقِ الطويلِ الذي أُدخلت فيه البلادُ لعقودٍ وزادت حلكته خلال سنوات الأزمة. وأُنعشت الآمال بسقوط النظام، واليوم مع تقدم المرحلةِ الانتقاليّة، يعودُ نموذج الإدارة الذاتيّة في شمال وشرق سوريا إلى الواجهةِ، نموذجاً حيّاً قابلاً للتوسعِ، وربما يكون النواة الحلّ الذي يُبنى عليه مستقبلٌ سياسيٌّ جديد، ديمقراطيّ، لا مركزيّ، تعدديّ، يضعُ نهايةً لحقبةِ القمعِ والاستبداد والطائفيّة.
الخلاص الوحيد دمقرطة سوريا
منذ انطلاق الثورة السوريّة في آذار 2011 وبدء الأزمة، لم يتوقف السوريّون عن المطالبةِ بالتغيير السياسيّ الجذريّ، وبتفكيك منظومة الحكم القمعيّ، وبناءِ دولةٍ ديمقراطيّةٍ قائمة على العدالةِ والمساواة والمواطنة. لكن؛ تلك المطالب، وعلى الرغم من مشروعيتها، قوبلت بالنار والحديد، ثم أُغرقت البلادُ في مستنقع الحربِ والتدخلات الخارجيّة والتطرف الدينيّ والفساد والفوضى. واليوم، بعد سقوط نظام بشار الأسد وتولي أحمد الشرع قيادة المرحلة الانتقاليّة في مطلع عام 2025، تعودُ تلك المطالب من جديد، غير أنّها هذه المرة ليست كشعار عام، بل كمشروعٍ واضح المعالم اسمه: “دمقرطة سوريا”.
تعيش البلاد اليوم لحظة مفصليّة، لحظة امتحان حقيقيّ لمدى جديّةِ القوى السياسيّة والاجتماعيّة في التأسيسِ لعهدٍ جديدٍ. وفي هذه اللحظة بالذات، يُطرح سؤال جوهريّ: هل يمكن لسوريا أن تخرج من دوامة الفوضى والانهيار دون أن تتحول إلى دولة ديمقراطيّة حقيقيّة؟ وهل يمكن تجاوز الأزمات الاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة والاجتماعيّة من دون عدالةٍ انتقاليّةٍ ودستور جديد يضمن حقوق الجميع؟ الجواب، كما يظهر من تجارب الدول الأخرى ومن التجربة السوريّة نفسها، هو لا.
نموذج محليّ بنَفَس ديمقراطيّ
منذ لحظة إعلان تأسيسها في شمال وشرق سوريا عام 2014، برزت الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة نموذجاً سياسياًّ واجتماعيّاً مختلفاً جوهريّاً عمّا اعتاده السوريّون لعقود طويلة. فبعد أن عانت البلاد من هيمنة نظام شموليّ أمنيّ مركزيّ قائم على الإقصاء والتمييز القوميّ والطائفيّ، طرحت الإدارة الذاتيّة نفسها بديلاً حقيقيّاً، لا يكتفي برفع شعارات التغيير، بل يترجمها عمليّاً على أرض الواقع عبر منظومة مؤسساتيّة شاملة.
انطلقت التجربة من مبدأ أساسيّ يتمثّل في إشراك المجتمع المحليّ في إدارة شؤونه، بعيداً عن منطق الوصاية الأبويّة أو الحكم الفوقيّ. فتمّ تشكيل المجالس والكومينات والهيئات المحليّة في كلّ منطقة، على أسس ديمقراطيّة، حيث لا يتم تعيين المسؤولين بل يُنتخبون، وتمثل هذه المجالس مختلف الشعوب بقومياتهم وأديانهم. الكرد، العرب، السريان، الآشوريون، الأرمن، التركمان، الشيشان، وغيرهم، جميعهم وجدوا لأنفسهم مكاناً فاعلاً في عملية صناعة القرار، ضمن آليات تضمن التوازن والتمثيل العادل.
وقد جاءت هذه التجربة وسط ظروف شديدةِ القسوة؛ من حصار اقتصاديّ، وحرب ضروس ضد مرتزقة “داعش”، وهجمات تركيا المتكررة على المناطق الحدودية، وغياب أيّ اعتراف رسميّ أو دعم دوليّ حقيقيّ. وعلى الرغم من ذلك، استمرت الإدارة الذاتيّة في بناء مؤسساتها، وترسيخ قواعد الحوكمة الديمقراطيّة، وإعادة تنظيم البنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة على أسس العدالة والمساواة والتشاركيّة.
أحد أبرز إنجازات هذه الإدارة كان إقرار “العقد الاجتماعيّ” في عام 2014، وثيقة سياسيّة وقانونية تؤسس مرحلة جديدة، وتم تعديله وتطويره في عام 2023 ليعكسَ التغيراتِ السياسيّة والاجتماعيّة، ويوسّع من دائرةَ الحقوق والواجبات، ويضمن الحريات الأساسيّة للجميع. وقد شمل هذا العقد مفاهيم متقدمة مثل المساواة بين الجنسين، حماية البيئة، والاعتراف بالتعدديّة الثقافيّة واللغويّة، ما جعله واحداً من أكثر النصوص الدستوريّة تقدماً في المنطقة.
كما أُنشئت هيئات مختصة بالمرأة، ومجالس عدالة اجتماعيّة، وهيئات تربويّة تعتمد على اللغات الأم للشعوب، ما أدّى إلى إعادة الاعتبار لهويات تمّ تهميشها لعقودٍ. وبات التعليم باللغة الكرديّة، السريانيّة، والعربيّة واقعاً في المدارس، والإدارة التربوية تقوم على فلسفة تعليميّة تحررية تُشجع التفكير النقديّ والمواطنة الواعية.
هذه التجربة لا تُقدّم نفسها حلاً سحريّاً أو مثالاً مكتملاً، لكنها تُمثّل اليوم الأساس الأكثر واقعيّة وملاءمة لبناء سوريا جديدة، سوريا ديمقراطيّة تعدديّة لا مركزيّة. والأهم من كلّ ذلك، أن هذه الإدارة نشأت من رحم المجتمع نفسه، لا بمرسوم فوقيّ، بل بإرادة القاعدة الشعبيّة، وهو ما يمنحها شرعيّة أخلاقيّة وسياسيّة، ويجعلها قابلة للتعميم، والتطوير، والارتقاء بها لتشمل كامل التراب السوريّ في أيّ مشروع وطنيّ ديمقراطيّ مستقبليّ.
ضرورة التحول الديمقراطيّ
لا يمكن اليوم التعامل مع الدعوة إلى دمقرطة سوريا كمسألة شكليّة أو مطلب نخبويّ أو تقليد سياسيّ مقتبس من تجارب الآخرين، بل هي مسألة وجوديّة تتعلق بمصير وطن أنهكته الحرب والتمزق، وبمستقبل شعب يعيش حالة من التيه والتشظي منذ أكثر من عقد. فالدعوة إلى الديمقراطيّة لم تعد ترفاً فكريّاً أو حلماً بعيد المنال، بل باتت الخيار الوحيد المتبقي لإنقاذ ما تبقى من سوريا ككيان ودولة وشعب.
المجتمع السوريّ اليوم، وبعد كل ما عاشه من تدمير وتشريد وقتل وتهجير، لا يمكنه أن يستعيدَ تماسكه أو يقف على قدميه مجدداً من دون تفكيك النظام السياسيّ الذي أنتج هذا الخراب، وإعادة بنائه من الجذور على أسس جديدة كليّاً. فالإبقاء على النهج المركزيّ السلطويّ الذي حكم البلاد لعقود طويلة، أو إعادة تدوير أدواته تحت عناوين انتقاليّة، لن يفضي إلا إلى مزيدٍ من الانقسامات، والعنف، والانهيارات، بل عملياً إعادة تدوير لأسباب الأزمة.
تفاقم الوضع الأمنيّ، وغياب المحاسبة، وانتشار المجموعات المسلحة الخارجة عن القانون، وعودة رموز الاستبداد من أبواب السياسة والاقتصاد والأمن، كلّ ذلك يُعد بمثابة نُذر شؤم لمستقبل البلاد، ما لم يتم وضع حد لهذا الانحدار عبر تأسيس قواعد ديمقراطيّة صلبة. والتجارب السابقة، سواء في سوريا أو في بلدان أخرى، أثبتت أنّ إسقاط رأس النظام وحده لا يكفي. إذ بدون وجود بديل ديمقراطيّ حقيقيّ، فإنّ الساحة تظل مفتوحة أمام الفوضى، والتطرف، وعودة الاستبداد بثياب جديدة، أو تفكك الدولة بالكامل.
من هنا، فإنّ مشروع التحول الديمقراطيّ لا يجب أن يُنظر إليه خياراً سياسيّاً مؤجلاً أو مرحلة لاحقة “للاستقرار”، بل شرطاً أساسيّاً لتحقيق هذا الاستقرار. فالانتقال الديمقراطيّ ليس ممكناً من دون صياغة دستور جديد يعبر عن الإرادة الشعبية، ويتجاوز دستور المؤقت الذي تم إقراره في 13 آذار 2025 لتنظيم المرحلة الانتقاليّة بعد سقوط نظام بشار الأسد الذي فُرض في ظروف أمنيّة وسياسيّة مختلة وكان بمثابة خيبة أملٍ لجميع السوريّين.
الدستور المطلوب لا يجب أن يكون وثيقة تقنيّة أو نصاً شكليّاً، بل يجب أن يعكسَ تطلعات السوريّين ويضع أسساً واضحة لدولة لا مركزيّة، ديمقراطيّة، تضمن فصل السلطات، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة والتنظيم والتعبير، وتمنح الإدارات المحليّة صلاحيات واسعة بعيداً عن الوصاية المركزيّة. كما ينبغي أن يُكرّس مبدأ المواطنة المتساوية، والاعتراف بالتعدد القوميّ والدينيّ، ويضمن تمثيل الشعوب في مؤسسات الدولة، ويقرّ صراحة بحقوق المرأة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، ويُرسي أسس العدالة الاجتماعيّة، ويمنع تغوّل الأجهزة الأمنيّة ويضعها تحت الرقابة المدنيّة والقضائيّة.
غياب الديمقراطيّة… عودة إلى المأساة
إنّ استمرار الوضع الراهن في سوريا، دون إطلاق مشروع دمقرطة حقيقيّ، لا يعني سوى إعادة إنتاج الكارثة بكلّ تداعياتها وتجلياتها، ولكن بصيغٍ جديدةٍ وشعاراتٍ مختلفةٍ. فالمشكلة لم تكن يوماً في الأشخاص أو الأسماء، بل في بنية النظام السياسيّ نفسه، الذي قام على الإقصاء والتمييز والطغيان، وعمّق الانقسامات الطائفيّة والمناطقيّة، وهمّش شرائح واسعة من المجتمع السوريّ. وأيّ محاولةٍ للالتفاف على مطلب الديمقراطيّة اليوم، ستقود إلى إعادةِ تدوير الاستبداد، وستفتح الباب واسعاً أمام صراعات لا نهاية لها.
إنّ غيابَ مشروعٍ وطنيّ ديمقراطيّ يعني استمرارَ الفلتان الأمنيّ، وتفشّي السلاح خارج مؤسسات الدولة، وانتعاش الجماعات المتطرفة وانتشارها والتي تجد في التهميش والتخلف والظلم بيئةً خصبة للانتشار. كما أنّ غياب العدالة وغياب الاعتراف الحقيقيّ بحقوق الشعوب كلها، سيُبقي البلاد على شفير الانفجار، وستظل النزاعات المحليّة تتكرّر، بصيغ مختلفة، ما دامت أسبابها الجذريّة قائمة.
أكثر من نصف الشعب السوريّ اليوم إما نازح أو لاجئ أو مهجر، ولا يمكن لأي مشروع سياسيّ أن ينجح دون معالجة هذه الكارثة الإنسانية. لكن؛ اللاجئ والمُهجّر لن يعود إلى وطن لا يضمن له العدالة والمساواة والكرامة. ولن يبني المستقبل في دولة تعيد إنتاج ما فرّ منه: التهميش، والخوف، وانعدام الحقوق.
لذلك، فإن التحول الديمقراطيّ يجب أن يكون مهمة عاجلة لا تحتمل التأجيل. وتبدأ هذه المهمة بتشكيل لجنة دستوريّة وطنيّة حقيقيّة، تمثل الشعوب والمناطق كلها، وتعمل على صياغة دستور جديد يؤسس لدولةٍ لا مركزيّة، ديمقراطيّة، تعدديّة، تضمن فصل السلطات، واستقلال القضاء، وحرية التعبير والتنظيم، والتمثيل العادل لكلّ الشعوب القوميّة والدينيّة والمجتمعيّة.
ولا بد من إطلاق حوار وطني شامل، يضم كل القوى السياسيّة والاجتماعيّة، إلى جانب النساء والشباب، وإنشاء هيئة عدالة انتقاليّة مستقلة تحقق في الانتهاكات، وتضمن جبر الضرر وعدم الإفلات من العقاب.
من الثورة إلى التجربة الذاتيّة
ليست سوريا اليوم خالية من التجارب أو الأفكار التقدميّة. فالثورة الشعبيّة التي اندلعت عام 2011، رغم كلّ ما لحق بها من تشويه، وضعت لبنة الوعي السياسيّ الديمقراطيّ. كما أنّ تجربة الإدارة الذاتيّة خلال العقد الماضي، وما رافقها من تنظيمات مجتمعيّة ومدنيّة، مثل المجالس والكومينات والتحالفات السياسيّة العابرة للطوائف، تُشكّل أساساً يمكن البناء عليه.
هناك أجيال جديدة من السوريّين نشأت في كنف هذه الإدارة، وتعلمت مفاهيم الإدارة الذاتيّة، والمساواة الجندريّة، والمساءلة المجتمعيّة، وهي أجيال ستكون العمود الفقريّ لسوريا القادمة إذا ما أُتيح لها المجالُ.
لقد أظهرت كلّ المعطياتِ أنّ الحلّ العسكريّ فاشل، وأنّ مشاريع التقسيم أو الإقصاء لا مستقبل لها، وأنّ التغيير الحقيقيّ لا يكون إلا عبر الاعتراف بالتعدديّة، والعدالة، والمشاركة. لن تنعم أيّ منطقة بالأمان إذا لم يتحقق الأمان لكل السوريّين. ولا يمكن لأيّ جهة أن تدّعي تمثيل سوريا ما لم تعترف بحق الآخرين في الشراكة.
دمقرطة سوريا ليست شعاراً سياسيّاً، بل مطلباً حياتياً، وأي تأخير أو تردد في تطبيقه، سيدفع ثمنه السوريّون دماً ودماراً. هذه اللحظة هي لحظة القرار، فإما أن تُبنى سوريا جديدة عادلة، أو نعيد إنتاج الكارثة القديمة بثوب جديد.
وبين الفوضى والاستقرار، بين الانهيار والبناء، تقف سوريا اليوم على مفترق طريقين. إما المضي في مشروع التحول الديمقراطيّ الجذريّ، أو الانزلاق مجدداً إلى جحيم التكرار. وإذا كانت المرحلة الانتقاليّة بقيادة أحمد الشرع تمثل فرصة، فإنّ هذه الفرصة قصيرة ومحدودة، ولا تحتمل الانتظار. الديمقراطيّة ليست وعداً انتخابيّاً أو برنامجَ حكومةٍ، بل هي أسلوبُ حياةٍ ومصيرُ شعب.
وإن لم تتخذ القوى السياسيّة والمجتمعية هذه اللحظة التاريخيّة بجدية، فسيكون الثمن فادحاً، ليس فقط على مستوى الداخل السوريّ، بل على استقرار المنطقة برمتها. لذا، لا بدّ من أن تكون دمقرطة سوريا مهمة الجميع، من دون استثناء، لأنّ لا أحد سيكون آمناً في وطن غير ديمقراطيّ.