No Result
View All Result
روناهي/ الرقة ـ تدفع المرأة السورية الثمن الأكبر في النزاعات والحروب والسياسات السلطوية الذكورية. ولما سُلبت حقوقها لعقود، انبثق صوتها من ركام الحرب، أقوى وأكثر وعياً من أي وقت مضى. من المناطق المحررة والإدارة الذاتية الديمقراطية، تخرج دعوات نسائية واضحة تناشد بأن العدالة الانتقالية لن تكون شاملة ما لم تكن المرأة في صلبها.
إنّ المرحلة الانتقالية الراهنة التي تشهدها سوريا، تشكل منعطفاً تاريخياً يقتضي الانتقال نحو مرحلة جديدة تعالج الإرث الثقيل من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي عاشتها طيلة سنوات طويلة من الأزمة والحرب، وترسخ مبادئ العدالة والسلم الأهلي. وفي هذا السياق، تتكاثف الدعوات حول أهمية تطبيق العدالة الانتقالية، التي تُعد المنهج الأمثل لتحقيق تعافٍ شامل من آثار النزاع، وبناء أسس راسخة لوطن تقوم على سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وتعزيز المصالحة الوطنية، بما يضمن استقراراً دائماً.
والعدالة الانتقالية في سوريا لم يعد موضوعاً نخبوياً أو مفروضاً من الخارج، بل تحول إلى مطلب محلي متجذر، تقوده نساء خضن التهجير والاعتقال والمآسي، وبحثن عن معنى الإنصاف في ظل غياب القانون والتمثيل. المرأة السورية لم تكن فقط ضحية، بل شاهدة وحاملة لذاكرة مجتمعية يجب الاعتراف بها وإدراجها ضمن مسارات العدالة.
وفي مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية بإقليم شمال وشرق سوريا، شكلت النساء حجر الأساس في بناء نموذج مجتمعي مختلف. بتأسيس منظمات نسوية، والمشاركة الفاعلة في المجالس التشريعية والتنفيذية، تمكّن من تحويل الألم إلى فعل سياسي تغييري.
لبناء واقع جديد أكثر عدلاً وإنصافاً
وتجربة المرأة هنا تعيد تعريف العدالة، فلا تقتصر على الحساب القضائي، بل تشمل الاعتراف الرمزي وضمان عدم تكرار الانتهاكات. هذه الرؤية النسوية تمهّد لبناء سوريا ديمقراطية، عادلة، ومتنوعة. وهذا التقرير يسلط الضوء على مواقف وتحليلات نساء رائدات في مجال العدالة الانتقالية، وعلى رأسهن عضوة مكتب المرأة في مجلس سوريا الديمقراطية “صباح الخليل“، التي أكدت في حوار خاص لصحيفتنا “روناهي” أنّ: “العدالة لن تبنى من فوق بدون نساء عانين من الإقصاء والاضطهاد لعقود، بل من خلالهن، ومعهن”.
وسلطت الضوء على الخلفيات التاريخية لما عاشته المرأة: “خلال أكثر من خمسين عاماً، تعرضت النساء لتهميش مستمر تحت أنظمة استبدادية، تم فيه تحجيم صوت المرأة وتدمير شخصيتها المجتمعية”.
وتابعت: “اليوم لا نعمل فقط على جمع الشهادات أو التحليلات، بل نعيد صياغة مفهوم العدالة الانتقالية من منطلق نسوي، أساسه أن تكون المرأة مركزية في كل آليات المصالحة وإعادة البناء”.
وأكدت أن “التجربة النسائية في إقليم شمال وشرق سوريا تشكّل نموذجاً ديمقراطياً يعكس توازن القوى، ويوفر للنساء فرصة القيادة واتخاذ القرار، لا التبعية أو التمثيل الرمزي”.
لا يمكن تحقيق العدالة الانتقالية دون النساء
لم يعد ممكناً الحديث عن مصالحة وطنية أو عدالة انتقالية في سوريا دون وضع المرأة في الصدارة، فبينما يعاد رسم مستقبل البلاد، تحرص النساء في الإدارة الذاتية الديمقراطية على إرساء دعائم نظام سياسي قائم على المساواة والتعددية والاعتراف بالحقوق.
ويمكن لتجربة النساء في إقليم شمال وشرق سوريا أن تلهم بقية البلاد، شرط أن تحظى بالدعم الدولي والحماية التشريعية. إنها لحظة مفصلية يتطلب فيها التاريخ أصواتاً شجاعة والنساء أكثر من جاهزات.
والعدالة الحقيقية لا تبدأ في قاعات المحاكم فحسب، بل في منازل النساء اللواتي دفنَّ أبناءهن دون قبور، وحملن ذاكرة القرى المحروقة، وبنين مدارس، وأعدن تعريف معنى الوطن.
تشكل “العدالة الانتقالية” أداة لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة، وتمهيد الأرض للمصالحة الوطنية. في سوريا، ورغم تركز النقاشات على الملفات السياسية والحقوقية العامة، إلا أنّ الصوت النسوي بقي مهمشاً إلى حد كبير. تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية تمثل استثناءً لافتاً في هذا السياق، حيث لعبت النساء أدواراً أساسية في توثيق الجرائم، وبناء الآليات المجتمعية المستقلة.
وفي ختام حديثها، شددت عضوة مكتب المرأة في مجلس سوريا الديمقراطية “صباح الخليل” على: “نطالب الهيئات الدولية بالانتباه إلى الصوت النسوي المتجذر، وأن يتم إشراكنا في تصميم المسارات السياسية، لا فقط كضحايا أو شهود”.
No Result
View All Result