الرقة / روناهي
في أجواء تشهد تصاعدا ملحوظا في الحوارات السياسية حول مستقبل سوريا، نظم حزب الحداثة والديمقراطية لسورية، ندوة حوارية موسعة في مدينة الرقة، تناولت بالتحليل والنقاش ما يعرف باتفاقية 10 آذار بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية في دمشق. الندوة التي انعقدت في قاعة الاجتماعات التابعة لمجلس سوريا الديمقراطية، شكلت منصة للنقاش المفتوح بين مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، وسط حضور نوعي من شخصيات سياسية، قانونية ومدنية.
وبدأت الندوة بتكريم رمزي لأرواح الشهداء عبر الوقوف دقيقة صمت، عبرت عن تقدير الحضور لتضحيات من سبقهم في مراحل النضال المختلفة، لينتقل الحديث بعدها إلى رئيس حزب الحداثة والديمقراطية، محمد العبود، الذي استعرض بشكل تحليلي شامل بنود اتفاق 10 آذار، مسلطًا الضوء على أبعاده السياسية والدستورية، ومحددا أبرز التحديات التي تواجه تطبيقه على الأرض في ظل بيئة سياسية إقليمية ودولية معقدة.
تحليل بنود الاتفاقية ومضامينها السياسية
أشار العبود في مداخلته إلى أن الاتفاق الموقع في العاشر من آذار يمثل خطوة انتقالية مهمة نحو بناء تفاهمات وطنية سورية تضمن حقوق مختلف المكونات. وأوضح أن الاتفاق لا يعد مجرد تفاهم إداري، بل يحمل في طياته إمكانيات لإعادة هيكلة العلاقة بين الحكومة المركزية والإدارة الذاتية، خصوصا في ظل غياب رؤية جامعة للهوية السورية من قبل السلطات الانتقالية الحالية.
وشرح العبود تفصيلا البنود الأساسية التي تنص على التعاون في المجالات التربوية، القضائية والإدارية، مبيّنا أن الاتفاق يشكل أساسا لإعادة رسم خطوط الإدارة السياسية في المناطق الشمالية والشرقية لسوريا، بعيدا عن المركزية المطلقة التي لطالما همشت الأصوات المجتمعية المحلية.
مداخلات متعددة وحوارات مفتوحة
تخللت الندوة العديد من المداخلات التي أضاءت على ثغرات الاتفاق من جهة، وفرص تطبيقه من جهة أخرى. وكان من أبرز المتحدثين رجب المشرف، عضو مكتب العلاقات بمجلس سوريا الديمقراطية، الذي وجه دعوة صريحة للأحزاب السياسية في شمال وشرق سوريا لتفعيل أدوراها في المرحلة الراهنة، معتبرا أن تواجد الأحزاب بجانب المجتمع يشكل ضرورة لخلق أرضية سياسية ناضجة قادرة على تحويل اتفاق آذار إلى واقع ملموس.
واعتبر المشرف أن التفاهم الحاصل بين الحكومة السورية الانتقالية والإدارة الذاتية بخصوص العملية الامتحانية هو نموذج أولي لنجاح الاتفاق، مشيرا إلى إمكانية تعميم هذا التفاهم على ملفات أخرى، مثل قضايا الحوكمة المحلية، الشؤون الخدمية، وتمثيل المكونات في العملية الدستورية.
وفي السياق ذاته، شدد تركي علي، رئيس مكتب العلاقات في حزب الاتحاد الديمقراطي، على ضرورة الاعتراف بحقوق المكونات السورية، معتبرا هذا الاعتراف بمثابة حجر الأساس في إعادة بناء الهوية الوطنية السورية. وأبدى علي قلقه من عدد من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية الانتقالية، لا سيما الإعلان الدستوري وتشكيل مجلس الشعب، مؤكدا أن تلك الخطوات جاءت خارج سياق التمثيل الحقيقي للمجتمع المتنوع في سوريا، وتفتقر لرؤية جامعة ترتكز على مفاهيم التعدد الثقافي واللغوي.
نقد للإجراءات الدستورية وغياب الشمولية الوطنية
أبرز العلي خلال مداخلته أن بعض مواد الإعلان الدستوري تشكل خطورة على مستقبل الدولة الجامعة، خاصة البنود المتعلقة بتحديد هوية الدولة، مصدر التشريع، ودين رئيس الجمهورية، مبينا أن هذه البنود تكرس الإقصاء ولا تعكس حقيقة التركيبة المجتمعية السورية التي تتوزع بين قوميات، أديان، ولهجات وثقافات متعددة.
وأضاف أن الاستمرار على هذا النهج قد يؤدي إلى شرخ اجتماعي وسياسي عميق، ويضعف فرص بناء عقد اجتماعي جديد يستند إلى قيم الديمقراطية والمشاركة السياسية العادلة، محذرا من تحول المرحلة الانتقالية إلى نسخة جديدة من المركزية المستبدة إذا لم تراعى مطالب مختلف شرائح الشعب السوري.
دعوات لتوسيع الحوار الوطني وتجاوز الإقصاء
وفي ختام الندوة، فتح المجال للنقاش المفتوح بين الحضور، حيث تم طرح رؤى متعددة حول كيفية تفعيل بنود الاتفاق، وتوسيع دائرة الحوار السياسي بين الحكومة السورية، الإدارة الذاتية، وممثلين عن القوى المدنية والسياسية غير الممثلة. شدد عدد من الحضور على ضرورة الاستفادة من زخم اتفاق آذار لإطلاق عملية سياسية شاملة تشرك الجميع في صياغة مستقبل البلاد، لا سيما في ظل تزايد الدعوات الدولية لإيجاد حل سياسي يرضي السوريين في الداخل والخارج.
وأكد المشاركون على أن الانطلاق نحو تسوية سياسية دائمة يجب أن يعتمد على الحوار، التفاهم، والاعتراف بالآخر، مع إشراك النساء، الشباب، والمكونات المهمشة تاريخيا في العملية السياسية، معتبرين أن سوريا لا يمكن أن تستعيد عافيتها إلا بتضافر جهود أبنائها جميعا.
دور حزب الحداثة في ترسيخ ثقافة الحوار
وتأتي هذه الندوة ضمن سلسلة من النشاطات والفعاليات التي أطلقها حزب الحداثة والديمقراطية لسورية، في إطار جهوده المتواصلة لتعزيز ثقافة الحوار السياسي وتكريس منهج المشاركة الفعالة في صياغة الرؤى الوطنية. يسعى الحزب عبر هذه المبادرات إلى خلق فضاءات مشتركة للحوار بين مختلف القوى السياسية والمدنية، بهدف بناء تفاهم وطني سوري يمهد لإنهاء الاستقطاب السياسي الحاد، وإطلاق مشروع وطني جامع يخدم تطلعات الشعب السوري في العدالة، الحرية والمساواة.
وقد أشار أعضاء الحزب خلال الندوة إلى أهمية التنسيق المستمر مع القوى السياسية المحلية في شمال وشرق سوريا، والعمل على مد الجسور مع الأطراف الأخرى على مستوى الوطن، لتشكيل كتلة ضغط تدفع نحو بناء نظام سياسي تعددي يضمن الحقوق والحريات للجميع.
وأكدت هذه الندوة أن اتفاقية 10 آذار ليست مجرد تفاهم سياسي عابر، بل تحمل في مضمونها إمكانيات جذرية لإعادة بناء الدولة السورية على أسس تعددية وديمقراطية. وبين التفاؤل والتحديات، يبقى الأمل قائما بأن يتحول الحوار من القاعات إلى سياسات فعلية تتجسد على الأرض، ويستعيد السوريون حقهم في تقرير مصيرهم بعيدا عن الإقصاء والاستبداد.