No Result
View All Result
حمزة حرب
إبان حقبة النظام السابق الذي لم يترك وسيلة هو وحلفاؤه، الا واستخدمت ضد مناطق شمال وشرق سوريا، من تعطيش وتجويعٍ بهدف الإخضاع والركوع، ومن بين جملة الملفات التي جيرها النظام السوري السابق، قبل سقوطه هو ملف المعابر الحدودية، التي حولها من منافذ اقتصادية وإنسانية، الى سياسية وابتزازية، ليبقى هذا الملف ملفاً عالقاً حتى بعد سقوطه.
فالمعابر الحدودية لا تمثل مجرد نقاط عبور أو ممرات للمساعدات، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى أدوات سياسية بامتياز، تستخدمها الأطراف الفاعلة إقليميًا ودوليًا، لممارسة الضغط، وفرض الإملاءات، وتشكيل موازين القوى على الأرض، ولم تسلم الإدارة الذاتية، وقوات سوريا الديمقراطية من هذه اللعبة التي فرضتها الأنظمة المتدخلة الى جانب نظام بشار الأسد، ولا زالت ملفاً عالقاً إلى يومنا الحاضر.
مع كل الجهود المضنية التي بذلتها الإدارة الذاتية، وفق إمكاناتها المحدودة لتلبية الاحتياجات الإنسانية، بقي المتضرر الأول من هذا الإغلاق المدنيون، خصوصاً من يقبعون في الخيام ويقدر تعدادهم بعشرات الآلاف، علقوا بين شح الخدمات، ونقص الأدوية، وغياب آفاق الخروج، لأن المساعدات باتت مشروطة بلعبة مصالح دولية لا تعترف بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
ورغم الانتشار الكثيف للمخيمات الإنسانية في مناطق شمال وشرق سوريا، إلا أن معبر “تل كوجر – اليعربية”، والذي يعد شرياناً رئيسياً للمنطقة تم إغلاقه بقرار من مجلس الأمن آواخر عام 2019، بعد استخدام روسيا والصين، الفيتو ضد قرار تمديد إدخال المساعدات عبره.
المعابر تحوّلت إلى سلاح مزدوج، “تجويع داخلي، وعزل خارجي”، حيث لم يكن ممكنناً لقافلة إغاثة أن تدخل دون موافقة صامتة من موسكو، أو ضوء أخضر من دمشق، أو تجاهل من التحالف الدولي، بينما تقف “قسد” أمام خيارين كلاهما مرّ، “إما الرضوخ، أو المقاومة وسط حصار متعدد الجبهات”.
حينها لم يكن القرار مجرد موقف دبلوماسي، بل بدا وكأنه جزء من حملة ممنهجة لتجفيف الموارد عن مناطق شمال وشرق سوريا، والإدارة الذاتية تحديداً، وحرمانها من أي دعم مباشر لا يمر عبر دمشق، وكانت الرسالة واضحة “إذا أردتم المساعدات، عودوا إلى حضن الدولة المركزية، تحت الشروط المفروضة من النظام، ووفق منطق “السلطة الواحدة، والمعبر الواحد”، والممر الإنساني الذي يستخدم ورقة ابتزازٍ سياسية”.
الإدارة الذاتية واجهت الابتزاز
بخصوص ذلك، تحدثت لصحيفتنا، مديرة مكتب الإعلام والعلاقات العامة في مجلس النهضة السوري، راما حسين، إن “إعادة تشغيل معابر تل كوجر – مع العراق، ونصيبين مع تركيا، تكتسب أهمية استراتيجية بالغة لمناطق شمال وشرق سوريا، على المستويات الإنسانية، والاقتصادية، والسياسية، فهذه المعابر تعدُّ شريانًا حيويًا لإدخال المساعدات الأممية، إلى مناطق تعاني من نقص حاد واحتياج كبير للمواد، خاصة بعد أن قُيّدت سابقاً بفيتو روسي، ودفع تركي، وهو ما وقف عائقاً أمام تصدير الفائض من الإنتاج المحلي كالمنتجات الزراعية، واستيراد المواد الأساسية، وهو ما عطل تنشيط الأسواق المحلية، وأثقل الأعباء المعيشية على السكان”.
وأوضحت: “النظام السوري السابق، كان يسعى للضغط على المدنيين، بغية ثني الإدارة الذاتية، وفرض السيطرة السياسية من خلال السيطرة الإدارية، ودولة الاحتلال التركي، لم تكن بمنأى عن هذه اللعبة، عبر تفاهماتها مع موسكو وإيران، بترويكا أستانا تضع الفيتو على أي تعامل مع الإدارة الذاتية، لتتولى روسيا مهمة منع تمرير أي قرار دولي عبر مجلس الأمن، مستفيدةً من إرضاء أنقرة من جهة، ودعم دمشق سياسياً من جهة أخرى في وجه الإدارة الذاتية”.
في خضم هذه السياسات الرعناء يقول مراقبون، وقفت الإدارة الذاتية أمام خياراتٍ أحلاهما مر، بانتظار الدعم الدولي الذي يتأخر أو يُخفّض في اللحظة الحرجة، لتترك مناطق شمال وشرق سوريا، ساحة لتبادل الرسائل الساخنة، وذلك من خلال خنق الاقتصاد المحلي، وعرقلة حركة المدنيين، وتكريس الانقسام داخل البلاد.
فورقة المعابر كانت تستخدمها الأطراف ضد الإدارة الذاتية، كلما أعلنت عن توسع ديمقراطي، أو مشروع اقتصادي، وتشتدّ حلقات الحصار غير المعلن بتوافقاتٍ ضمنية خلف الأبواب، بغية تحقيق المكاسب السياسية، وحتى في كارثة الزلزال الذي ضرب سوريا وتركيا في شباط من العام 2023، لم تُستثنَ معابر شمال وشرق سوريا، من قرار الإعفاءات الدولية على الرغم من أن الإدارة الذاتية أبدت استعدادها للمساعدة، وأن تؤمن خط العبور لهذه المساعدات عبر مناطقها وصولاً إلى المناطق المتضررة من الزلزال، لكن لم تلقَ هذه الدعوات آذاناً صاغية.
وأكد حينها الرئيس المشترك لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، بدران جيا كرد: إن “المنطقة كانت تعاني قبل الزلزال من أوضاع إنسانية صعبة، وزادت هذه المعاناة مع حدوث الزلزال، لذلك يتطلب بعد هذه الكارثة التي حلت بشعوب المنطقة التحرك بشكل سريع، لإزالة العوائق والتحديات التي تواجه إيصال المساعدات الإنسانية إلى السوريين كافة، دون تسييسها، وبات من الضروري فتح المعابر الحدودية لإدخال المساعدات ومنها معبر تل كوجر”.
الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي في إقليم الجزيرة، طلعت يونس، بدوره كان قد شدد، “على المنظمات العالمية والقوى الدولية، القيام بواجبها لفتح المعابر الحدودية، وعلى وجه الخصوص معبر تل كوجر الحدودي، الذي أغلق بقرار سياسي من مجلس الأمن الدولي، ما خلق أزمة إنسانية في مناطق شمال وشرق سوريا، وعلى عموم سوريا”.
هذه الدعوات استمرت بالوتيرة ذاتها بما فيها رسالة الإدارة الذاتية الديمقراطية في الجزيرة، والتي أرسلت عن طريق الرئيسة المشتركة لهيئة الداخلية لإقليم الجزيرة، همرين علي، والرئيسة المشتركة لمجلس عوائل الشهداء في مدينة قامشلو، هيفي السيد، وعضو حزب الاتحاد الديمقراطي في مدينة قامشلو، علي عمر، بعد ايصالها إلى مفوضية الأمم المتحدة في مدينة قامشلو، لتسليمها فيما بعد للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش، فحواها “ضرورة فتح المعابر، بما فيها معبر تل كوجر؛ لإيصال المساعدات للسوريين دون تسييس”.
إلا أن الجهود الحثيثة كلها، لم تلق آذاناً صاغية فحتى التحالف الدولي، تعامل ببرود مع الملف الإنساني في مناطق الإدارة الذاتية، خوفًا من إغضاب الحلفاء الإقليميين، أو الدخول في صدام دبلوماسي مع موسكو وأنقرة، لكن الإدارة الذاتية ومن خلال اعتمادها على نفسها نسبياً، وإدارتها مواردها الذاتية من زراعة، وتجارة داخلية، ومواردها الطبيعية، استطاعت الصمود في وجه زوبعة الابتزاز والضغط.
ونتيجة الحرب التي عاشتها سوريا منذ أكثر من عقد من الزمن، وتدمير جزء كبير من القطاعات الاقتصادية، فقد الاقتصاد السوري أكثر من 60 بالمئة من الناتج الإجمالي المحلي، واليوم هناك أكثر من 80 بالمئة من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، ومستوى التضخم هو ألفان بالمئة، والليرة السوريّة فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها، القدرة الشرائية لدى الشريحة الأوسع من الشعب السوري هي في الحد الأدنى، ومناطق شمال وشرق سوريا، لم تكن بمنأى عن هذه الآثار والتداعيات الاقتصادية السلبية.
وأضافت راما: “فتح المعابر وتوسيع التبادل الداخلي، سينعكس إيجابًا على الاقتصاد السوري عامة، ويحقق جملة من المكاسب على رأسها تحريك الأسواق، وزيادة دوران عجلة الاقتصاد، الى جانب تعزيز القوة الشرائية، وخفض الأسعار من خلال التنافس في السوق، ناهيك عن تشجيع البنية التحتية على التنشيط والعمل، فضلاً عن كسر استئثار الاقتصاد من السلطة الانتقالية، أو أي جهة متفردة بالقرار، والأهم من ذلك إنعاش مناطق شمال وشرق سوريا، عبر تسويق مواردها وتأمين حاجاتها”.
ولفتت: “يُعدُّ معبر تل كوجر، منفذاً هاماً جداً في تنمية المنطقة، وتقديم المساعدات إلى اللاجئين والنازحين والمهجرين الموجودين في عشرات المخيمات بمناطق شمال وشرق سوريا، بالإضافة إلى أنه سيساهم في التواصل مع العالم الخارجي، عن طريق بغداد، التي سوف تستفيد هي الأخرى بتصريف منتجاتها في أسواق شمال وشرق سوريا، التي يقطنه ما لا يقل عن خمسة ملايين نسمة”.
سقط النظام والحصار استمر
أواخر العام المنصرم 2024 سقط نظام البعث، الذي كان يعبث بمقدرات الشعب السوري ويضيق عليهم الخناق ويبتز إرادتهم بكل ما أوتي من سبل، وكانت المعابر إحدى هذه السبل التي استخدمها للابتزاز، خصوصاً بعد أن أثبت ذلك الموقف الروسي – الصيني، من خلال رفض السماح بإعادة فتح معبر تل كوجر، بهدف الضغط على الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، لتحصيل تنازلات في ملف العلاقات مع النظام السابق.
ورغم سقوط النظام السابق، إلا أن شعوب شمال وشرق سوريا، لا زالت تعاني من وطأة تلك السياسات، علماً أن شعوب المنطقة كافحت نيابة عن العالم، ودحرت مرتزقة داعش الإرهابي، وهي اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة فتح هذه المعبر، ويمكن للمجتمع الدولي، من إعادة فتح هذا المعبر، حاله حال المعابر الأخرى، كالبوكمال وغيرها من المعابر التي أعيد تنشيطها.
وتستمر التحديات التي تتصاعد يوماً بعد يوم في إقليم شمال وشرق سوريا، وخصوصاً وأن الأوضاع السياسية في عموم سوريا ضبابية، في ظل سلطة الطرف الواحد، الذي فرض حكومة على عجل، وسن إعلاناً دستورياً لا يرقى لطموحات السوريين، ناهيكم عن الدول الغربية، والمجتمع الدولي، الذي يراقب الأوضاع وتطوراتها وسلوكيات هذه السلطة، التي لم تحظَ بشرعية مجتمعية سورية جامعة حتى الآن.
وفي هذه الظروف، يضاف إلى التحديات سير عملية الحوار بين الإدارة الذاتية الديمقراطية في إقليم شمال وشرق سوريا، مع الحكومة السورية الانتقالية، بخطواتها البطيئة، سيما أن الواقع يؤكد أن الحلول الجزئية، لن تكون كافية لتحقيق استقرار دائم في شمال وشرق سوريا، فالوضع يستدعي مقاربة شاملة تعالج الأبعاد السياسية، والأمنية، والإنسانية، للأزمة بشكل متكامل، وتأخذ في الاعتبار مصالح ومخاوف أهالي المنطقة. يتطلب هذا النهج الشامل مشاركة فاعلة من المجتمع الدولي، واعترافاً صريحاً بالدور الإيجابي الذي تلعبه الإدارة الذاتية، في استقرار المنطقة، ومكافحة التطرف، وتشجيعها على مواصلة الإصلاحات الديمقراطية وتعزيز التعددية والمساواة، وإسقاط الذهنية، والآلية التي كان يتعامل بها النظام السابق مع الإدارة الذاتية، وعلى رأس هذه الممارسات إنهاء استخدام المعابر كورقة سياسية، فالنظام على ما يبدو سقط، ولم تسقط معه سياساته ضد الإدارة الذاتية.
سياسيون يؤكدون، أن معبر تل كوجر متعلق بأجندة سياسية، كان يستخدمها النظام السابق وحلفاؤه، وهذا انتهاك للجانب الإنساني وتسييس الملفات الإنسانية، لأنه يشكل تحدياً يجعل من الوضع الإنساني في شمال وشرق سوريا، يتجه نحو الأسوأ، فإغلاق المعبر يؤثر بشكل مباشر على تقديم المساعدات المطلوبة، وخصوصاً أنَّ الإدارة الذاتية احتضنت آلاف المهجرين من المناطق التي احتلتها الدولة التركية، وآلاف النازحين من المناطق السورية، بسبب الوضع الاقتصادي هناك.
واختتمت، راما حسين: إنه “في حال استمرت هذه السياسة الممنهجة، بإغلاق المعابر، وحرمان مناطق شمال وشرق سوريا، من الاستفادة المباشرة وغير المباشرة منها، فهذا سينعكس بجملة من العوامل السلبية، على رأسها ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية لدى المدنيين، فضلاً عن نقص السلع وتدهور الوضع المعيشي، إلى جانب جمود اقتصادي وزيادة التوتر الاجتماعي، بالمجمل فإن هذه السياسية ستخلق واقعاً اقتصادياً غير متوازن، يعمّق الانقسام ويهدد الاستقرار العام”.
وبالنتيجة، يبقى ملف المعابر في شمال وشرق سوريا، ملفاً حساساً يجب حله، لأن الثابت الوحيد في المعادلة إن المدنيين الباحثين عن دواء لأطفالهم وشيوخهم، أو عن مستلزمات لتأمين قوتهم اليومي، أو أي مقوم من مقومات الحياة الكريمة، ولا يجدونها، هم الخاسر الوحيد في المعادلة، تلك الشعوب التي ناضلت لنيل حريتها ولتحقيق الحياة الكريمة.
No Result
View All Result