د. مرشد اليوسف
لعبت تركيا منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، بقيادة رجب طيب أردوغان دورًا محوريًا في تشكيل خريطة المعارضة السورية السياسية والعسكرية .وتتسم سياسة أردوغان بتركيبة معقّدة من الأهداف الأيديولوجية، الجيوسياسية، والأمنية .
ومن أبرز هذه الأهداف سعيه لغرس فكر الإخوان المسلمين في جسم الدولة السورية المستقبلية، عبر آليات متنوعة تشمل الدعم السياسي، والإعلامي، والعسكري، والتعليم الديني، وإدارة المجالس المحلية في مناطق النفوذ التركي وداخل سوريا .
الجذور الأيديولوجية لسياسة أردوغان تجاه سوريا تستند إلى خلفيته الأيديولوجية المتجذرة في فكر الإسلام السياسي، وخاصةً التيار الإخواني . وهذه الخلفية دفعت أنقرة إلى تبني رؤية اسلامية لإعادة تشكيل المنطقة، بما في ذلك سوريا، وفق نموذج الديمقراطية المحافظة الإسلامية .
وضمن هذا السياق قامت تركيا بدعم المجموعات المرتزقة ذات التوجه الإخواني منذ المراحل الأولى للأزمة السورية، مثل فيلق الشام والجبهة الشامية وأحرار الشام، وكلها تتبنى توجهات قريبة من الإخوان المسلمين . ووفرت أنقرة لهذه المجموعات الدعم اللوجستي والتسليحي، وسهلت عبور المرتزقة من وإلى سوريا، مما عزز نفوذ هذا التيار على الأرض .
وضمن هذا الإطار؛ استضافت تركيا المجلس الوطني السوري، ومن بعده ما يسمى بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، ووفرت لهما منصة للعمل السياسي والإعلامي. وكانت الشخصيات ذات الخلفية الإخوانية تحظى بثقل داخل هذه الأطر، مما منحها نفوذًا واسعًا في رسم سياسات المعارضة .
وضمن المناطق المحتلة ما يسمى بمناطق درع الفرات وغصن الزيتون مثل الباب، جرابلس، وعفرين، فرضت أنقرة نموذج الإدارة المحلية الذي يتضمن تعليمًا دينيًا محافظًا، ومناهج تركية التوجه، وتأسيس هياكل مدنية مستوحاة من النموذج التركي، مما يُسهم في إعادة تشكيل البنية الثقافية والدينية للمجتمع السوري في هذه المناطق .
وضمن هذه السياسة تقوم تركيا بمواجهة المشاريع المناقضة للفكر الإخواني وتعارض بشدة وبالأخص مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، وتزعم بأنها تشكل خطرًا على أمنها القومي دون أي دليل يثبت ذلك، لكنه أيضًا يعكس تناقضًا أيديولوجيًا مع الطرح الإخواني، كونه يتبنى العلمانية، والديمقراطية التشاركية، والمساواة الجندرية .
ومن هنا، تعمل تركيا على إضعاف هذا المشروع أمنيًا وسياسيًا ودبلوماسيًا.
أما الأهداف البعيدة المدى لتركيا في سوريا هي :
تشكيل نخبة سياسية سوريّة موالية لأنقرة ذات توجه إخواني
وضمان وجود تركي دائم في داخل الحكومة السورية الانتقالية تحت الغطاء الأمني أو الخدماتي .
استغلال الحكومة الانتقالية كمرحلة انتقالية لخدمة النفوذ التركي، ومن ثم الضغط عليها؛ لإدخال الإخوان في نظام الحكم السوري على أن تتيح الحكومة لهم نفوذًا سياسيًا .
والهدف النهائي لأردوغان هو استثمار وجود الإخوان داخل النظام الحالي، من أجل تسليم السلطة تدريجيًا إلى نخبة إخوانية موالية لتركيا ثم تنفيذ الانقلاب السياسي الناعم عليهم عندما تتهيأ الظروف .
والحقيقة لا يمكن فهم الدور التركي في سوريا بمعزل عن الطموحات الأيديولوجية لأردوغان، ومساعيه لإعادة تشكيل المشهد السوري وفق رؤية محافظة إسلامية تتسق مع فكر الإخوان المسلمين ضمن مشروع أوسع لخلق هلال نفوذ سني – إخواني يمتد من ليبيا، مرورًا بسوريا، وصولًا إلى قطر .
لكن هذا المشروع يواجه تحديات متعددة ومقاومة من قوى محلية مثل قوات سوريا الديمقراطية، ومن الفاعلين الإقليميين والدوليين مثل اسرائيل والإمارات، مصر، وروسيا على حد سواء، مما يضع مستقبل هذا التوجه أمام احتمالات معقدة.