رامان آزاد
تفجير كنيسة مار إلياس حدث مروّع وكبير ليس على مستوى دمشق أو الشعب المسيحيّ، بل على المستوى السوريّ ككلّ. فالقضيةُ تتعلقُ بقتل مواطنين آمنين، وإن حدث ذلك في دار عبادة، فالأسواق والأماكن العامة معرضة أكثر لوقوع مثل هذه الحوادث. وتتحمل الحكومة القائمة مسؤوليّة الحادث ليس على مستوى الاتهام، بل باتخاذ إجراءات أمنيّة تضمن حماية المواطنين. ولذلك؛ من المبكر القول إن سوريا بلدٌ آمن، وإن كانت الجبهات قد توقفت؛ فإنّ عمليات التصفية مستمرة حتى اليوم، ولم تأخذ الأجهزة القضائيّة دورها المطلوب حتى اليوم لفض النزاعات. والاحتقانات لم تنتهِ ولم نصل إلى مرحلة السلم الأهليّ.
تأكيد الحضور
في الساعة 18:31 من مساء الأحد 22 حزيران 2025، انقلبت طقوس قداس دينيّ في كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة في مدينة دمشق إلى مشهد دمويّ مروّع وانتشرت في جزء من الزمن الأشلاء وأحيلت الكنيسة إلى خراب، حينما استهدف هجومٌ مباغتٌ جمعاً من نحو مائتي مصلٍ بدأ بإطلاق النار العشوائيّ ثم فجر المنفذ نفسه، ما أسفر عن استشهاد 25 شخصاً وإصابة 63 آخرين، بحسب “وزارة الصحة السوريّة”. وذكر شهود العيان أن شخصين أطلق أحدهما النار على حرس الأمن قبل اقتحام المبنى وتنفيذ التفجير.
ويعد هذا أول عمل إرهابيّ يستهدف كنيسة في دمشق منذ الإطاحة بالنظام السوريّ في 8/12/2024، وهو مؤشر خطير على وجود خلايا نائمة متطرفة داخل البلاد، واختراق أمنيّ عميق، ولا سيما في دمشق.
ومنذ اللحظة الأولى، وُجّهت الاتهام إلى مرتزقة “داعش”، وأعلنت وزارة الداخليّة في بيان صدر الأحد، أنّ منفذ الهجوم انتحاري تابع لـ “داعش”، ونفّذ الهجوم وفق سيناريو دمويّ معروف: “إطلاق النار بشكلٍ عشوائيّ ثم تفجير نفسه باستخدام سترة ناسفة”. والواقع أنّ كلّ تفاصيل الهجوم تؤكد أنّ “داعش” من نفذه وهو تكرار لهجمات داعش على الكنائس، كما حدث في سريلانكا ومصر. ويعتمد “داعش” هذا التكتيك: بتنفيذ هجوم انغماسيّ مسلح، ثم التفجير الانتحاريّ، ليوقع أكبر عدد من الضحايا.
بالمجمل كلّ العمليات الإرهابيّة هي رسائل مصبوغة بالدم، على حساب مدنيين، ويعكس هجوم الكنيسة، مساعي داعش لإثبات وجوده في دمشق، بعدما كان نشاطه متركزاً بشكل رئيسي في البادية والمناطق الريفية. ويحاول تأكيد أنّه مازال موجوداً في المشهد السوري ولديه إمكانيّة استهداف العمق السوريّ.
لم يأتِ ارتجالاً بل عن تحضير مسبق فقد استغل “داعش” الانشغال الدوليّ بالصراع الإقليميّ غير سوريا، واستطاع التنفيذ رغم الإجراءات الأمنية المشددة. فيما كان اختيار كنيسة هدفاً للهجوم فهو جزءٌ من استراتيجية دعائيّة تتبعها مرتزقة “داعش”، فالكنائس أهداف سهلة إجمالاً وتحقق زخماً إعلاميّاً كبيراً، وطبيعيّ أنّ استهداف دور العبادة يثير ضجّة إعلاميّة على المستوى الدوليّ وبذلك تصل رسالة التهديد إلى أقصى حدودها.
لم تكن هذه العملية استثناء. فمنذ مطلع عام 2025، نفذت مرتزقة “داعش” 109 عملية أمنية بحسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان”.
ومساء الإثنين خرجت مظاهرات حاشدة في مدينة دمشق، وردد الأهالي شعارات مناهضة لوجود المسلحين الأجانب على الأراضي السوريّة، ومن الشعارات: سوريا حرة حرة الشيشاني يطلع برا… الإرهابي يطلع برا”، في رسالةٍ واضحةٍ ضد التدخل الخارجيّ ووجود المسلحين الأجانب واستمرار حالة الفوضى الأمنيّة في البلاد.
عملية أمنيّة وملاحقة
أعلنت وزارة الداخليّة في الحكومة السورية الانتقالية الاثنين، تنفيذ عملية ضد “داعش” في ريف دمشق أحد أفرادها تم قتله وكان المتورط الرئيسي في تسهيل دخول الانتحاريّ إلى كنيسة مار إلياس.
وقال وزير الداخليّة أنس خطاب لقناة الإخبارية السورية، إنه “استناداً إلى المعلومات الأولية وبتنسيق مشترك مع جهاز الاستخبارات العامة نفذت الوحدات الأمنية عمليات دقيقة في حرستا وكفر بطنا استهدفت مواقع لخلايا إرهابية مرتبطة بتنظيم داعش”. وأوضح أن العملية أسفرت عن “اشتباكات تم خلالها القبض على متزعم الخلية وخمسة عناصر بالإضافة إلى قتل اثنين أحدهما كان المتورط الرئيسي في تسهيل دخول الانتحاري إلى الكنيسة والآخر كان يجهز أيضاً لتنفيذ عمل إرهابي في أحد أحياء العاصمة”. وأشار إلى أنه خلال عملية المداهمة ضُبطت “كميات من الأسلحة والذخائر بالإضافة إلى ستر ناسفة وألغام كما عُثر على دراجة نارية مفخخة كانت معدة للتفجير”. وأضاف أن أحد عناصر الخلية كان يخطط لهجوم آخر في العاصمة، دون أن يذكر هدف ذلك الهجوم المحتمل.
الأب ملاطيوس شطاحي، راعي الكنيسة، أكد في حديثه لوسائل إعلام محليّة، أنّ إدارة الكنيسة كانت تحذّر السلطات الأمنيّة من هشاشة الوضع الأمنيّ، لكنها كانت دائماً تتلقى الرد نفسه: “إنّها تصرفات فرديّة”. وأضاف شطاحي: “اليوم ثبت أنّها ليست فرديّة، بل هي نتيجة إهمال رسميّ وغياب للمحاسبة”.
المحامي والناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان، ميشال شماس، رأى أن الحادث يحمل رسائل متعددة من بينها محاولة ضرب موقف المسيحيين المسالم وإظهار الحكومة عاجزة عن تأمين الحماية، مطالباً بمساءلة حقيقية حول من سهّل دخول المهاجم إلى حي الدويلعة شديد التحصين. وأضاف: من مسؤولية السلطة أيضا التصدي بحزم لخطاب الكراهية والخطاب الطائفي، وضبط الحملات الدعويّة، وإصدار تعليمات واضحة وصريحة بعدم التدخل بحياة الناس فيما يشربون ويأكلون أو يلبسون.
سيارات الدعوة
وتداول سوريون، الأربعاء 19/3/2025، مقطعاً مصوراً يظهر مواطنين، قيل، إنهم مسلمون يطردون سيارة دعوية” أمام كنيسة في الدويلعة، ولقي المقطع الفيديو تداولاً وتفاعلاً كبيراً على مواقع التواصل الافتراضي. وعلّق أحدهم: “الفكرة أنّ هؤلاء الناس يعتقدون أنّهم يملكون مفاتيح الجنة. يكفي استفزاز الناس بهذه الممارسات التي تعود للعصور الوسطى. لن تُحوّل مكبرات الصوت أحداً إلى الإسلام أيها الجهلة”.
أثارت هذه الدعوات الدينيّة جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الافتراضي، بينما تسببت أحياناً أخرى بمواجهات ومشاجرات في الواقع، وطرد الأهالي هؤلاء الدعاة من الشوارع. وكان ذلك محل ترحيب البعض، معتبرين أنّ الطرد هو الوسيلة الأفضل، وأنّ المسلمين وحدهم سيضعون حداً لهم، وبخاصة أنّ الأمر استفزازيّ للجميع وليس فقط للمسيحيين.
وانتقد العديد من السوريين هذه الدعوات الدينيّة، وتساءل بعضهم؛ هل من الممكن انّ أحداً على شرفة منزله يسمع هذا النداء تدمع عيونه، وينطق الشهادتين؟! أم أنّ الأمر مجرد استفزاز للناس، لافتعال مشكلة؟. وقالت مواطنة مسيحيّة: “ليست الفكرة بالمظاهر الإسلاميّة في المناطق المسيحيّة لأنّ هذا ليس بالشيء السيء، فأنا كمسيحيّة استمتع بسماع الأذان وبمظاهر رمضان كما أنّ الكثير من المسلمين يستمتعون بمشاركة المسيحيين مظاهر الميلاد وغيره. المشكلة الحقيقيّة هي أنّك تدعو المسيحيين للهداية وكأنّهم ضالُّون”.
ولم يكن ذلك المرة الأولى التي تجوب فيها “سيارات الدعوة” شوارع دمشق. فقد شوهدت مثل هذه المظاهر بعد سقوط النظام. ففي كانون الثاني الماضي، انطلقت مجموعات من الأفراد في جولات دعائية تحمل رسائل تدعو إلى الإسلام والحجاب، في عدد من أحياء مدينة دمشق، وهو ما اعتبر مشهدا غير مسبوق في عموم سوريا. ومن بين هذه الحملات، بحسب مقاطع فيديو منشورة على مواقع التواصل الافتراضي، أشخاص يتجولون في حي القصاع ذي الأغلبية المسيحيّة في دمشق، ويطالبون باعتناق الإسلام والإقلاع عن التدخين والفصل بين الجنسين، ما أحدث مشاجرة بينهم وبين أهالي الحي المسيحيّ، ما استدعى تدخل قوات الأمن العام.
وانتشر فيديو لرجل يحمل القرآن بين يديه ويدعو إلى اعتناق دين الإسلام في حي باب توما ذات الأغلبية المسيحية، الأمر الذي أثار انتقادات لاذعة من قبل مجموعة من السوريين، حيث اعتبروا ذلك يتعارض مع الحريات والخصوصيات الدينية.
وتقول سلطة دمشق الجديدة، إنّ هذه “حالات فرديّة” وليست منظمة. وربما هؤلاء الأشخاص ينشطون دون أخذ موافقات رسميّة من الجهات المعنية، إلا أنها تحصل.
ولم يُعرف فيما إذا كانت هذه الحملات الدعوية تُنظّمها جهة محددة وتقف وراءها، أم أنّها دعوات فرديّة لأفراد لنشر أفكارهم بين الناس. كما لا يوجد نص قانونيّ صريح أو قرارٌ رسميّ يمنع انتشار مثل هذه المظاهر، ليتم تجريمها وملاحقتها من قبل السلطات الأمنيّة، ولذلك تجوب السيارات الشوارع بسهولة ويسر، ومن يعترض طريقها هم السكان المحليون.
البداية من حرق شجرة الميلاد
في 23/12/2024 شهدت مدينة السقيلبية حادثة حرق وتخريب شجرة عيد الميلاد على يد عناصر أجنبية تتبع لهيئة تحرير الشام، ما أثار موجة من الغضب لدى عموم المسيحيين في سوريا، وخرجوا في عدة مدن من بينها دمشق وقامشلو في مظاهرات رافضة لهذه التصرفات التي تصفها الهيئة بالفردية.
وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان: “إن مسلحين ملثمين أضرموا النار في شجرة الميلاد، ومنعوا المواطنين من الاقتراب تحت تهديد السلاح”. وذكرت مصادر محلية لـ”سكاي نيوز عربية” أن من أحرقوا شجرة الميلاد هم مسلحون أجانب من الشيشان، فيما قال شهود، إن المسلحين ملثمون ومن جنسيات غير سورية ويتكلمون اللغة العربية الفصحى.
تعرض مقر مطرانية مدينة حماه وتوابعها للروم الأرثوذكس في 18/12/2024 لاعتداء، شمل إطلاق نار على مبناها ومحاولة تكسير صلبان ورموز مسيحية. وقال المطران نقولا البعلبكي في تصريح لتلفزيون سوريا: “إن مجموعة مسلحة اقتحمت دار المطرانية، وحاولوا نزع أحد الصلبان من دار المطرانية، قبل أن يتدخل أبناء الرعية، ما أجبرهم على التراجع”. ولفت إلى أنّ المجموعة المسلحة قامت بإطلاق النار باتجاه المبنى بعد تراجعها، حيث ظهرت آثار الرصاص بوضوح على واجهة المبنى.
ودفع انتشار الشائعات حول المسحيين تحديداً، بطريرك الروم الأرثوذكس، كبرى الطوائف المسيحية في سوريا، يوحنا اليازجي أن يحذّر من أن “المسيحيين ليسوا مادة للتجارة الإعلاميّة”. ودعا اليازجي إلى إقامة دولة مدنية ديمقراطية على أسس المواطنة والمساواة في سوريا، واحترام الحريات الجماعية والفردية، وصياغة دستور يضمن ذلك على أساس وطني شامل. وكرر هذه المطالب رؤساء الطوائف المسيحية السورية خلال لقاء عقد مع المبعوث الدولي غير بيدرسون.
يذكر، أنّه تم تداول مقطع مصور لمسلح أجنبيّ يتحدث بلكنة مغاربيّة: “أيرفع الصليب في دمشق، صليب الكفرة، لا يغرنّكم قولُ الجولانيّ سنعطيكم حقوقكم وتعيشون بسلام هذا حق، هذا دين، ولكن تمارسون دينكم في بيوتكم تمارسون الكفر في بيوتكم، أما رفع الصليب، والله لن نُبقي منكم أحداً، اسمعوها مني”.
سوابق لاستهداف داعش الكنائس
– 29/12/2017: قتل عشرة أشخاص بينهم عناصر من الأمن، وأصيب آخرون بجراح في هجوم مسلح استهدف كنيسة مارمينا في منطقة حلوان جنوبي القاهرة، وقالت قوات الأمن المصرية، إنها تمكنت من التصدي للهجوم المسلح؛ ما أسفر عن مقتل أحد المهاجمين وضابط شرطة ومجندين وفراش بالكنيسة، فيما اعتقل المهاجم الثاني.
ــ 9/4/2017 وقع تفجيران استهدف الأول كنيسة مارجرجس في طنطا بمحافظة الغربيّة (شمال القاهرة)، وبعد ساعات استهدف تفجير ثانٍ محيط الكنيسة المرقسيّة (المقر البابوي) في مدينة الإسكندرية، وذلك بالتزامن مع ترؤس بابا الكنيسة المصريّة تواضروس الثاني قداس “أحد الشعانين” وهو الأحد السابع والأخير من الصوم الكبير الذي يسبق عيد الفصح أو القيامة عند المسيحيين، ونجا البابا من التفجير. وتسبب التفجير بمقتل 13 شخصاً وجرح أكثر من ثلاثين، وتبنى مرتزقة “داعش” التفجيرين، في المقر البابوي بالإسكندرية.
ـ في شباط 2017: وقعت سلسلة هجمات استهدفت المسيحيين في محافظة شمال سيناء أدت إلى مقتل سبعة أشخاص على يد مسلحين مجهولين، وتسببت بنزوح أسر مسيحيّة.
ــ في 11/12/2016: وقع تفجير في مكان مخصص للنساء بالكنيسة البطرسيّة الملحقة في مجمع كاتدرائية الأقباط الأرثوذكس بحي العباسية في القاهرة، وأدى إلى مقتل 25 شخصاً وإصابة خمسين.
14/8/2013: وقعت سلسلة هجمات استهدفت كنائس بالتزامن مع فض قوات الأمن لاعتصامي رابعة العدوية والنهضة.
20/10/2013، استهدف مسلحان ملثمان هجوم مسلح كنيسة في محافظة الجيزة بمصر، وأطلق أحدهما النار على عدد من الأشخاص أثناء خروجهم من حفل زفاف بكنيسة العذراء في منطقة الوراق؛ ما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص وإصابة 18.
ـ في 21/4/2019 وقعت سبعة انفجارات دامية في سريلانكا في وقت مبكر من الصباح بينما كان يحتفل مئات المسيحيين بعيد القيامة وأعلن “داعش” مسؤوليته عن الهجمات المنسقة على ثلاث كنائس وأربعة فنادق التي أسفرت عن مقتل أكثر من 350 شخصاً.
بالمجمل، إعادة الإعمار لا تقتصر على المؤسسات والبنى التحتيّة، بل قبل ذلك بنزعِ فتيل الانفجارات وإنهاء خطاب الكراهية وترسيخ العدالة، والحرب ضد الإرهاب لا تُخاض في المدن والبلدات بل في المدارس والإعلام والمنابر كلها.