No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
في المقال السابق والذي حمل عنوان: الشرق الأوسط الجديد بين مشاريع التفتيت والمقاومة. أشرنا إلى انهيار الاتحاد السوفيتي وتركه فراغاً استراتيجياً استغلته الولايات المتحدة لفرض هيمنتها على الشرق الأوسط، عبر مشاريع تقسيم وتدخلات عسكرية. في المقابل، برز حزب العمال الكردستاني ونموذج “الكونفدرالية الديمقراطية” كبديلٍ تحرري. ومع فشل المشاريع التقليدية، تزداد الحاجة إلى حلول تنبع من إرادة الشعوب، بعيداً عن هيمنة القوى الكبرى.
وهنا نود الإشارة إلى أهمية مشروع الأمة الديمقراطية الذي يتجاوز الصراع والتقسيم، حيث يمرُّ الشرق الأوسط اليوم بمنعطفٍ تاريخي خطير، فمن الملاحظ تسارع وتيرة التحولات الإقليمية في ظل تصاعد حاد في المواجهة بين قوى فاعلة، وفي مقدمتها إسرائيل وإيران. في 13 حزيران 2025، أقدمت إسرائيل على شنِّ ضربات جوية نوعية استهدفت منشآت عسكرية ونووية إيرانية، ترافقت مع عمليات اغتيال دقيقة طالت قيادات رفيعة في الحرس الثوري، الأمر الذي فجّر رداً إيرانياً غير مسبوق تمثّل في إطلاق صواريخ وطائرات مُسيّرة باتجاه العمق الإسرائيلي، مُحدثةً خسائر فادحة. اللافت إنّ الولايات المتحدة، ولأول مرة منذ تفجّر التوتر، دخلت المعركة بشكلٍ مباشر، حيث نفّذت في 23 حزيران ضربات استهدفت منشآت نووية حساسة داخل إيران، أبرزها فوردو ونطنز وأصفهان، في خطوةٍ عدّها البيت الأبيض “نجاحاً استراتيجياً”، محذراً من ردود أكثر قسوة في حال التصعيد. بذلك، دخلت المنطقة رسمياً مرحلة ما بعد الخطوط الحمراء، حيث الحرب الشاملة باتت احتمالاً واقعياً، وسط تهديدات من وكلاء طهران في العراق واليمن ولبنان.
الضربات الإسرائيلية والأمريكية، وإن ظهرت في خطابها كـ “ردع استباقي” لطموحات إيران النووية، إلا أنها تكشف عن مشروع أوسع يهدف إلى هدم البنية العسكرية والسياسية للنظام الإيراني، وخلخلة توازنات السلطة في الإقليم. الخطاب الإعلامي المصوّب نحو الداخل الإيراني، إلى جانب استهداف القادة والعلماء، يشي بمسعى لتأليب الرأي العام الإيراني وزعزعة الاستقرار الداخلي.
أما الموقف الأمريكي، فتقوده عقيدة أمنية ترى في تحجيم إيران مدخلاً لإعادة رسم المنطقة وفق هندسة جيوسياسية أكثر مواءمة للمصالح الأمريكية والإسرائيلية.
بين سيناريوهات الانفجار والتحوّلات الداخلية
في ظلِّ تسارع الأحداث، تُطرح عدة سيناريوهات محتملة: كاندلاع حرب إقليمية واسعة قد تمتد إلى ميادين العراق وسوريا واليمن ولبنان. اهتزاز شرعية النظام الإيراني بفعل الضربات المتكررة وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. إعادة صياغة الجغرافية السياسية عبر تحالفات جديدة، أو تقسيمات طائفية مستندة إلى صراع الهويات.
لا يمكن قراءة المشهد الراهن بمعزل عن الخلفية التاريخية لما بعد الحرب الباردة، حين شكّلت الولايات المتحدة ما يُعرف بـ “نظام الهيمنة الأحادية”، مدفوعةً بمقولاتٍ مثل “الديمقراطية الليبرالية” و”الفوضى الخلاقة”. ترافق ذلك مع تهميش ممنهج للحركات التحررية، وتكريس دور إسرائيل كقوةٍ إقليميةٍ بلا منازع. وجاءت الانتفاضات العربية لاحقاً لتُفرغ من مضمونها التغييري، حيث تحولت إلى أدوات لإعادة إنتاج النفوذ الخارجي.
الأمة الديمقراطية.. مشروع تجاوز الصراع والتقسيم
في خضم هذا المشهد المتشابك، يبرز مشروع الأمة الديمقراطية بوصفه رداً نوعياً على بنية الدولة القومية ذات الهوية الأحادية، والتي كانت ولا تزال المحرّك الأعمق للصراعات العرقية والطائفية في الإقليم.
يقوم المشروع الذي أطلقه القائد عبد الله أوجلان على ثلاثة ركائز: التعددية الثقافية، اللامركزية السياسية، والعدالة الاجتماعية. وهو لا يطرح بديلاً نظرياً فحسب، بل يُجسَّد عملياً في نموذج الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، الذي نجح – رغم كل التحديات – في تقديم تجربة سياسية مختلفة وأكثر اتساقاً مع التنوع المجتمعي.
إنّ استمرارية الفوضى ليست قدراً محتوماً، بقدر ما هي انعكاس لخيار سياسي عالمي يُعيد إنتاج التبعية والنزاع. وفي المقابل، تقدّم الكونفدرالية الديمقراطية، كما يطرحها مشروع الأمة الديمقراطية، خياراً ثالثاً يتجاوز الاستقطاب: خيار بناء مجتمع سياسي يعتمد على الشفافية والتمثيل المتساوي والتمكين المحلي. إنه مشروع تحرير لا ينطلق من الجغرافيا فقط، بل من الإنسان ذاته، بوصفه الفاعل الحقيقي في كتابة مصيره.
الشرق الأوسط اليوم أمام خيارين واضحين: إما الغرق في دوامة الحروب والتدخلات الخارجية، أو الانخراط في مشروع تحرري يضع إرادة الشعوب في صدارة المشهد السياسي. ويبدو أن الحركات الديمقراطية المحلية، مثل تجربة “روج آفا”، تمثّل بارقة أمل حقيقية لمستقبل أكثر استقراراً وتوازناً، بعيداً عن منطق الهيمنة والعنف.
No Result
View All Result