أحمد عبد الرؤوف
تعدّدت أشكال الأدب العربي منذ نشأته، وإن كانت مقتصرة على القصيدة التقليدية ذات البناء العمودي الذي يتألف من شطرين وفق الأوزان الخليلية المعروفة، وذلك منذ العصر الجاهلي وصولاً إلى الشِّعر العربي الحديث، فكانت تختلف القصيدة في شكلها وبنيتها الفنية كلما اختلف زمانها وطبيعة الجغرافيا التي تحتضن شاعرها، ولكنها لم تخرج عن الوزن العروضي ومنها قصيدة التفعيلة، حتى شهد العصر الأدبي الحديث ظهور أجناس أدبية نثرية مثل القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً والرواية والخاطرة وغيرها، وهي أجناس أدبية دخيلة من الآداب العالمية الأخرى، ظهرت بعد تبادل الثقافات الكبير الذي حدث مع التطور الذي أدى بطبيعة الحال إلى سهولة التواصل والقراءة من خلال الطباعة ثم التكنولوجيا الحديثة فيما بعد.
ومع كثرة كتّاب وقرّاء هذه الأجناس الأدبية تحولت لتقليد أصيل في الأدب العربي أبدع كتّابه بنسج خيوطه الفنية، وانتشر انتشاراً واسعاً، ولعل الأدباء السوريين والمصريين كانوا من أوائل الذين صدّروا فن القصة على وجه التحديد والأمثلة جمّة في البلدين.
شهد القرن العشرون نموّاً كبيراً للقصة ببنية فنية تنتمي للحالة الاجتماعية والإيديولوجية والثقافية السائدة في سوريا، فكانت القصة الرمزية والدرامية والكلاسيكية والواقعية، ورغم أن العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين شهدت تراجعاً كبيراً للأدب عموماً وللقصة تحديداً في سوريا مع بداية الأزمة عام 2011، إلا أن سنوات الأزمة السورية لم تخلُ من فن القصة الذي أصبح توثيقاً واقعياً لكافة التصدعات التي شهدها المجتمع السوري بكافة أشكاله خلال أربعة عشر عاماً من الأزمة، فظهر أدباء تناولوا حكايا واقعية لجل المشاهد التي عاشتها المنطقة، فرسموا منها لوحات فنية قصصية خلدت المرحلة بمشاهدها المؤلمة، حين وثقوا صور الأطفال الذين يتجولون في الشوارع يبحثون عن قوت عوائلهم في أكياس القمامة، والأحاديث التي تتبادلها النساء وهنّ يقفن بانتظار أدوارهن ليحصلن على قليل من مياه الشرب أمام خزانات المياه التي وضعتها منظمات إنسانية، وتكاد إحداهنَّ تعود دون أن تحصل على حصة عائلتها من الماء، وقصص أخرى كثيرة تجسدت بقصة تلك المرأة الإيزيدية التي اختطفها مرتزقة داعش، وعانت ما عانت في أسواق النخاسة، ليظهر صوت قصصي نسائي استطاع بجدارة توثيق هذه الأحداث في مناطق الجزيرة والفرات في سوريا، وفيما يلي نسلّط الضوء على تجربة أدبية صاعدة في مدينة الطبقة لكاتب استطاع أن يستخدم المفردة الفراتية المحكية في نص فصيح، متمكناً من أدواته وأسلوبه الأدبي، نتحدث عن القاص “أنس شحادة”
الكاتب أنس شحادة قاصٌّ من أبناء مدينة الطبقة، استقى حروفه الأولى من شجن الفرات الذي أورث كل مبدع من أبنائه القدرة على تطويع المفردة لتكون ابنة بيئته بلا عناء، بتصوير لا يخلو من الإيحاء، تتميز كتاباته بلغتها الشعرية وبنائها الفني المحكم بحيث يجعلك أسلوبها لا تستطيع الشرود لحظة وأنت تقرأ، كي لا تفقد وحدة القصة عنصر الشد المستمر.
استطاع بقصته التي تناول بها “العم حمود” وهي شخصية واقعية حاول الكاتب تخليدها حين كانت لا تملك الانتماء الرسمي المتمثل بـ “الهوية الشخصية” حيث كان مكتوم القيد، في وقت كان “العم حمود” راعياً للأغنام، فكانت تنتمي إليه وتكاد تميز صوته تماماً عما سواه، وكل ذلك في قصة “المكتوم” حين يفتتح قائلاً:
“نيالك…أنت كتم”
“ليس لك اسم في دفتر العائلة وسترتاح من الخدمة العسكرية أيضاً عندما تكبر،
عندما تكبر ستعرف قيمة ما فعلت من أجلك”
وفي مقام آخر من قصته يجسد حقاً امتزاج النص الفصيح بنكهة لهجة الفرات العذبة التي تفرض هويتها لدى الكاتب حتى تبين للقارئ ودونما عناء انتماءها حين يقول في موضع آخر:
“نكهة الشمس لاذعة.. كنكهة الزعتر البري والشفلّح، نعم نكهة الشمس… أنا حقاً لا أعرف كنهها، ولكن حمود قادر على الإحساس بها حقاً، لطالما سمعته يردد قائلاً:
(اليذوك شمس الكيظ بالسراحة يريد الدنيا كلها شتا)”
ولكي لا يتأتّى للقارئ أدنى تفكير بأن الكاتب يكتب بلغة قريبة إليه فقط لأنه لا يملك مخزونه من أدوات اللغة والإيحاء ووصف الشخصية وتصوير الشعور، نجد “أنس شحادة” يسافر في شخصية “حمود” بعيداً ليعيش حالته تماماً بكل تفاصيلها الواقعية، رافعاً من منسوب الدراما في قصته في مواضع نقل القارئ من مشهد لمشهد آخر لاسيما حين يكمل: “غامت الصور في مخيلة حمود فرفع رأسه بتثاقل نزق، ظهر له القطيع على هيئة ضبابية قاتمة…تنهد… تنهد مرة ثانية، لأن مرة واحدة لم تكن كافية لملء ذلك الصدر الأمرط على هزالته….!! فقد تزاحمت فيه، بين دفتيه مفرزات التبغ الوطني الرخيص ومفرزات الأيام”.
يستغرق الكاتب في شخصية بطل قصته من خلال الغوص بحالته النفسية التي كانت سبباً في اعتزال المجتمع البشري، منتمياً إلى عالم أغنامه الذي منحه الإحساس بالوجود من خلال الشعور المطلق بالمسؤولية تجاه قطيعه، حتى أصبح يحفظ الأشكال، ويحرص على صغار قطيعه ويرعاه وينظمه تنظيماً مطلقاً فيقول في موضع آخر: “في الأمس تخيّر حمود خروفاً حديث الولادة (طلي صغير) فصله عن أمه، يتّمه لحظة ولد، وتجاهل كل ثغاء أمه الذي يوحي للسامع جلياً بالاستعطاف والاسترحام، فعل ما يجيد فعله بتمرس، جاءه بالحليب بعد أن قام بغمس يديه الخشنتين في الإناء لبعض الوقت ليتشرب الحليب رائحة جسده وكذلك (الطلي الصغير) الذي تخيره حمود ليجعل منه (مرياع الحلال) حين يكبر ذلك بغية أن يعتاد عليه ويكون مطواعاً له، يمشي حيث يمشي وينقاد له أنّى شاء وكيفما أراد”
قصة “المكتوم” لكاتبها “أنس شحادة” ليست إلا نموذجاً حيّاً للكتّاب الذين ينتمون لمجتمعاتهم الأصيلة هنا في مناطق شمال وشرق سوريا، فيعالجون قضايا المجتمع ويصوّرونها ويوثّقونها بأمانة الأديب الغيور على الكلمة، والضنين برسالتها الخالدة، ويمنحون الحالة الأدبية الثقة بأن الأرض ولّادة بالمبدعين في كل وقت، ومع كل انتكاسة تتعرض له، ليبقى الأديب صوت مجتمعه، والجدير بالحفاظ على تاريخه وتراثه.




