زاوية بصمة امرأة ـ حنان عثمان
في ظل التصعيد العسكري الأخير الذي استهدف إيران، عبّرت الكثير من الناشطات النسويات كحركة “النسويات من أجل جينا” عن رفضهم القاطع للهجوم الإسرائيلي على إيران، معتبرات أن ما يجري لا يمتّ للحرية أو العدالة بأي صلة. فالصواريخ، مهما كانت ذرائعها، لا تحمل معها التحرر والعدالة، بل تخلّف وراءها الموت والدمار، وتفتح الباب أمام مزيد من الفقر وتضييق الحريات، خاصة في المجتمعات التي تعاني أصلاً من القمع الداخلي.
تعيش النساء في إيران اليوم، في واقع مركّب من العنف السياسي والاجتماعي والديني، حيث يتحول جسد المرأة وصوتها إلى ساحة معركة يومية. ومنذ استشهاد الشابة الكردية “جينا أميني” في 2022، تصاعدت المواجهة بين النساء والسلطة، لكن الرد الرسمي كان أشد قسوة: قمع متصاعد، اعتقالات جماعية، وتضييق على أي شكل من أشكال التعبير.
وكلنا سمعنا بالمعتقلة السياسية الكردية وريشة مرادي، وكلنا سمعنا بأحكام الإعدام الصادرة بحقها وبحق العديد من الناشطات في إيران مثل بخشان عزيزي، والمعتقلة منذ سنين ليست بالقليلة زينب جلاليان. كلهن معتقلات فكر ورأي حر، ولسن كما يروج له النظام الإيراني.
داخل السجون الإيرانية، يتعرض عدد كبير من النساء للتعذيب الجسدي والنفسي، والإهمال الطبي، إضافة إلى المعاملة المهينة والحرمان من المحاكمة العادلة. تقارير حقوقية وثّقت اعتداءات منهجية، بعضها وصل إلى مستوى الانتهاكات الجنسية، في محاولة لكسر إرادة المعتقلات وإسكاتهن نهائياً.
وفي مشهد أكثر ظلمة، برزت ظاهرة الإعدامات العشوائية، خاصة مؤخراً، والتي تصاعدت بشكل مرعب خلال الأيام الماضية، حيث نُفذت مئات الأحكام، كثير منها بحق شابات وحتى قاصرات، بتهم فضفاضة مثل “الإفساد في الأرض” أو “محاربة الله”. هذه الممارسات لا تهدف إلى تحقيق العدالة، بل لترهيب المجتمع وتثبيت سلطة تستمد قوتها من الخوف.
النساء اللواتي يواجهن هذه المنظومة لا يحتجن إلى قنابل تُسقط من الجو، بل إلى دعم عالمي حقيقي لنضالهن. فالحرب الخارجية لا تسقط الاستبداد، بل تمنحه المزيد من الذرائع لقمع الداخل، وتمنع التغيير الذي تصنعه الشعوب بأيديها.
المطلوب اليوم ليس تضامناً مشروطاً، بل وقوفاً واضحاً مع النساء في إيران، ضد آلة القتل الرسمية، وضد التلاعب بمصير الشعوب تحت غطاء التدخل العسكري. التحرر لا يأتي من السماء من فوقنا، بل من جذور الأرض.




