د. طه علي أحمد
مع سقوط النظام البعثي في كانون الأول 2024، ودخول المجتمع السوري مرحلة جديدة من التحديات والفرص في مسار إعادة بناء الدولة، أضحى الحديثُ عن اللامركزية من الضرورات التي تفرض نفسها في ظل تنامي التحديات الداخلية والخارجية التي تتعرض لها البلاد، بل ومع تَعَمُّق الحاجة لتحقيق الاستقرار والتنمية الشاملة، حيث يبرز النموذج اللامركزي ليشكل أحد المداخل الأساسية لإعادة بناء سوريا بطريقة تحقق مشاركة واسعة للمجتمعات المحلية، وتكسر هيمنة المركزية التي أثقلت كاهل البلاد لعقود.
لماذا اللامركزية؟
لم تعد اللامركزية مجرد فكرة نظرية أو رفاهية سياسية، بل تحولت إلى ضرورة عملية لمعالجة المشكلات المتجذرة في السياسة والاقتصاد والإدارة، فمنذ خمسينيات القرن العشرين، تطورت هذه الفكرة من اجتهادات اقتصادية وإدارية إلى إطار استراتيجي يدعم التنمية المستدامة والديمقراطية، فاللامركزيةُ تعني نقلَ جزء من صلاحيات الدولة المركزية إلى وحدات إدارية وسياسية محلية، تمنحها قدراً أكبر من الاستقلالية في اتخاذ القرارات بما يتناسب مع خصوصيات مجتمعاتها المحلية، ويضفي قدراً أكبر من الديناميكية السياسية من خلال الثراء والتنوع الذي الذي تعرفه البلاد، ويتيح هذا التوزيع للسلطة المزيد من مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار، بل ويحد من الفساد الناتج عن تمركز السلطة في يد نخبة محدودة لعقود، كما يرفع من كفاءة تقديم الخدمات ويحسّن إدارة الموارد.
لقد شهدت سوريا عقوداً من التركيز الإداري والسياسي في يد نظام رفع راية التشدد القومي، ما أدى إلى تفاقم التفاوت التنموي بين المحافظات بما يخدم الولاء الضامن لتركز السلطة والقوة، حيث تركزت معظم الاستثمارات والخدمات في المدن الكبرى على حساب الأرياف والمناطق الأخرى، وقد كان هذا التفاوت سبباً رئيسياً في انتشار الفقر والهجرة الداخلية، وخلق حالة من الاستياء في المناطق المهمشة. كما انعكس ذلك التركز السلطوي والمركزية المتشددة في أيدي الحكومة المركزية على غياب خطط تنموية فعالة تستجيب لخصوصيات المناطق، كما تفاقم الفساد المالي والإداري، مما زاد من إضعاف المؤسسات المحلية وحرمها من القدرة على النهوض بمناطقها.
ورغم صدور القانون رقم 107 في عام 2011 بغرض مُعلن تمثل في توزيع السلطات والمسؤوليات على مستوى المحافظات بدلاً من تركيزها في الحكومة المركزية، وذلك ضمن عملية إصلاح مزعومة من جانب النظام السابق، رغم ذلك إلا أن تطبيق القانون المذكور بقي محدوداً وشكليًا، حيث لم يتناول الجوانب السياسية والتنموية بشكلٍ جدي، فكان التركيز في الغالب على الجوانب الخدمية، مع إبقاء صلاحيات مهمة مثل تعيين المحافظين والأجهزة الأمنية بيد السلطة المركزية. ولذلك؛ فما إن سقط النظام في 8 كانون الأول 2024، إلا وقفزت الحاجة إلى تبني نموذج لامركزي أصيل، يمنح السلطات المحلية صلاحيات حقيقية في التخطيط والتنفيذ واتخاذ القرار التنموي، مع ضمان آليات مساءلة واضحة، لتعزيز مشاركة المواطنين والحفاظ على وحدة الدولة.
اللامركزية وتدعيم المواطنة التشاركية
باعتبارها نموذجًا إداريًا وسياسيًا يتيح توزيع السلطة وصنع القرار على مستويات سياسية وإدارية محلية بعيدًا عن التمركز في يد فئة ذات توجه قومي أو أيديولوجي أحادي، فإن النموذج اللامركزي يعزز توزيع السلطة ويدعم مشاركة المواطنين في كافة مستويات الحكم والتنمية المحلية، بما يخلق يخلق شعورًا بالانتماء والمشاركة الحقيقية لدى المجتمعات المحلية، ويمنحها الفرصة لإدارة شؤونها وفق خصوصياتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ما يسهم في تعزيز الوحدة الوطنية على أساس من الاعتراف بالتنوع والتعددية.
ونتيجة لذلك، تنجح الدولة في تحقيق الاندماج الوطني الذي يعلي قيم المواطنة والتشاركية عندما تشعر جميع شعوبها وأطيافها بوجود حقوق متساوية وفرص عادلة في المشاركة السياسية والاقتصادية، وحينما تُعزز الثقة بين المركز والوحدات المحلية. وبذلك؛ فإن اللامركزية، ومن خلال تمكين المجتمعات المحلية، تسهم في تقليل الاحتقان والتوترات التي تنشأ عادةً من المركزية الشديدة التي تُهمش بعض الفئات أو المناطق، وتُقوّي الحوكمة الديمقراطية، وتُسهم في الحد من الصراعات الاجتماعية والسياسية.
وعلى ذلك، فإن تطبيق نظام لامركزي “فعال” يُعتبر مدخلاً حيويًا لإعادة بناء الدولة وتحقيق الاندماج الوطني المستدام، خصوصًا في دول مثل سوريا التي تتميز بتنوع إثني وطائفي وجغرافي، حيث تُتيح اللامركزية آليات لتوزيع السلطة بشكلٍ متوازن يعكس التنوع بدلاً من تغييبه، ويحول التعددية إلى مصدر قوة وطنية وليس مصدر انقسام.
الغاية إذن، أن تطبيق اللامركزية يعزز الاستقرار السياسي والاجتماعي في سوريا من خلال تمكين المجتمعات المحلية، وتحقيق العدالة التنموية بين الأقاليم، والحد من التوترات التي نشأت نتيجة التهميش المركزي. كما تُسهم في تسريع عمليات إعادة الإعمار من خلال إشراك السكان في تخطيط وتنفيذ المشاريع التنموية، مما يمنحهم حافزاً أكبر للعمل والتعاون. لاسيما وإن تجربة سوريا مع المركزية المتشددة قد أثبتت محدوديتها وضررها، وما دام السوريون يتطلعون لبناء دولة ديمقراطية حديثة، فلا بد أن يكون تطبيق اللامركزية مدخلاً أساسياً في هذا المسار. فاللامركزية ليست مجرد خيار سياسي، بل شرط أساسي لبناء دولة عادلة، متكاملة، ومتطورة، قادرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.




