دجوار أحمد آغا
عندما تفشل أي دولة في حسم الصراع عسكرياً، تلجأ إلى أساليب وطرق ملتوية لتحقيق الانتصار من خلال ما نسميه بالحرب الخاصة، وهي أخطر بكثير من الحرب التقليدية الكلاسيكية، التي تندلع بين قوتين أو جيشين في مواجهة بعضهما.
وفي الحرب التقليدية، العدو واضح ومكشوف أمامك، وهو يتخندق في المتارس على طول الجبهة، أما في الحرب الخاصة، ربما يتناول معك العدو الطعام، وفيما بعد يذهب لينقل معلومات حول المواقع العسكرية، أو الشخصيات القيادية، ليتم استهدافها من جانب العدو، هذه الحرب منذ القديم كانت موجودة وفي العادة كانت تندلع حتى قبل خوض الحرب التقليدية، من خلال حرب نفسية، تبدأ كل دولة بشنها على الدولة الأخرى من أجل زعزعة ثقة شعبها بقواتها العسكرية، والأمنية، بالإضافة إلى إحداث شرخ في المجتمع في نشر الدعايات المغرضة للطابور الخامس.
أصل القضية الكردية والعقدة التركية
لا نريد الخوض في تفاصيل القضية الكردية، وتاريخها الممتد إلى سنين طويلة، ولكن نكتفي بتوضيح حقيقة وجود الشعب الكردي، منذ القدم على أرضه التاريخية، التي تُعرف باسم كردستان، هذه الأرض التي لم تصبح في يوم من الأيام دولة واحدة، لكنها واحدة في قلب كل كردي، وحتى لو سألت أي طفل كردي، سؤالاً بسيطاً ومهماً، كم ستكون نتيجة، 2 + 2 سيكون جوابه هو الرقم واحد.
هذه المعادلة البسيطة تدل على التقسيم الذي جرى بحق موطن الكرد كردستان، حيث تم تقسيمها بداية بعد معركة جالديران 1514، ومن ثم توقيع معاهدة قصر شيرين 17 أيار 1639، وترسيم الحدود بشكل رسمي بين الدولة العثمانية (تركيا) والدولة الصفوية (إيران)، ثم تم تقسيمها إلى أربعة أقسام إثر معاهدة لوزان 14 تموز 1923، حيث ألحق قسم بالعراق وآخر بسوريا. لذلك؛ فالطفل الكردي يؤمن بأن كردستان هي واحدة على الرغم من تقسيمها، ومنذ ذلك التاريخ والكرد يناضلون من أجل تحقيق هدفهم المنشود بتحرير وطنهم الأم كردستان.
مع وجود القسم الأكبر من كردستان تحت نير تركيا، والذي تُقدّر مساحته بحوالي 260 ألف كم2 ويبلغ عدد السكان فيه أكثر من 25 مليون نسمة، لذلك، تتخوف تركيا من حل القضية الكردية، ونضال الشعب الكردي، وطليعته الثورية، لذا تقوم دائماً باللجوء إلى القمع والعنف المفرط، والخيار العسكري، ضد الكرد، ورغم كل ذلك، إلا أن الشعب الكردي بقي صامداً، لا يتوانى عن المطالبة بحقوقه المسلوبة في باكور كردستان، لكن تركيا تجاوزت الحدود، وتدخلت في الأجزاء التي ألحقت بسوريا والعراق وإيران، وهي تحاول السيطرة على تلك الأجزاء وإلحاقها بتركيا.
التدخل في باشور وروج آفا
العقدة الكردية التي أصبحت فوبيا لتركيا، دفعت بها إلى عدم الاعتراف بباشور كردستان، الذي أُسِّس بعد سقوط صدام حسين، بتحقيق الفيدرالية ضمن عراق اتحادي، وعلى الرغم من اعتراف الحكومة المركزية في بغداد بباشور كردستان، إلا أن تركيا وبجميع مسؤوليها لم تعترف حتى الآن بباشور كردستان، وحكومتها، وحتى وسائلها الإعلامية تذكر مسمى “شمال العراق”، وبذريعة وجود حركة التحرر الكردستانية في مناطق من باشور.
حيث أقامت تركيا عشرات القواعد العسكرية في العديد من مناطق باشور كردستان، إلى جانب التوغلات والهجمات التي تقوم بها بين الحين والآخر، الآن وقد أعلن حزب العمال الكردستاني إنهاء مرحلة الكفاح المسلح، والبدء بمرحلة النضال السياسي. ما مبرر إبقاء كل تلك القواعد العسكرية التركية، وجيشها المدجج بالسلاح في المنطقة؟ الكل يعلم ما الهدف من وجود تركيا في باشور كردستان، والجميع أدرك أن حزب العمال الكردستاني، ليس هو السبب لوجود كل تلك القواعد، بل كان المستهدف هو الشعب الكردي برمته، وقول أحد كبار مسؤولي تركيا الحاليين بأنه “لو أقام الكرد كياناً في جنوب أفريقيا لن نقبل به”، يؤكد أن الهدف هو الكرد، والكرد باتوا يدركون ذلك تماماً.
رغم أن تركيا اعتبرت باشور كردستان مستنقعاً، وأكّدت على عدم السماح بتأسيس مستنقع آخر في إشارة إلى روج آفا، إلا أن الأمور تسير في اتجاه آخر، فتركيا التي تعتبر نفسها صاحبة الأرض في باشور كردستان، وروج آفا، وفق الميثاق الملي، سوف تضطر إلى الاعتراف بالإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، كما اضطرت إلى الاعتراف مؤخراً بحكومة باشور كردستان، وقام أردوغان نفسه بزيارة باشور.
ورغم كل ذلك، سوف تُمارس كافة السبل والألاعيب من أجل زعزعة الأمن والاستقرار في مناطق روج آفا، شمال وشرق سوريا؛ بهدف إقامة قواعد لها أسوةً بباشور كردستان، وقد ظهرت هذه النية خلال الحوار الغير مباشر الذي جرى بخصوص نقل رفاة “سليمان شاه” إلى مكانه القديم بالقرب من كوباني، فرغم موافقة قوات سوريا الديمقراطية، والإدارة الذاتية على منح الأرض الكافية للرفاة، وبقاء عدد من حراس المكان من الجيش التركي، الا أن الطرف التركي طالب بإقامة قاعدة عسكرية في المكان، الأمر الذي رفضته الإدارة وقوات سوريا الديمقراطية.
ماهية الحرب الخاصة وأنواعها
الحرب الخاصة بطبيعة الحال تختلف عن الحرب الكلاسيكية، لها أساليبها، وأهدافها، ومجالاتها، فهي تستخدم الوسائل كافة سواء المشروعة، أو الغير مشروعة، من أجل تحقيق أهدافها، التي تكمن بالدرجة الأولى في إضعاف المجتمع المستهدف من الداخل، عبر تفكيك منظومته الأخلاقية، من خلال زرع المفاهيم البالية ونشر الدعارة والترويج للمخدرات، وخاصة بين فئة الشباب والشابات، بهدف الوصول إلى مرحلة اليأس لدى هذه الفئة من المجتمع، التي عادة ما تكون في طليعة المقاومة والنضال ضد العدو.
وهناك عدة أنواع للحرب الخاصة، مثل (الحرب الإعلامية، والحرب الأيديولوجية، والحرب النفسية، والحرب الاستخباراتية، أي عبر “الجواسيس”، وتعتمد على أساليب تهدف إلى إبعاد الإنسان عن تاريخه، وقيمه المجتمعية والأخلاقية، وربطه بالأمور الشخصية التافهة، أي إفراغ الشخصية من مضمونها وابقائها هيكلاً فارغاً، بالإضافة إلى نشر الرعب والخوف داخل صفوف المجتمع، وزعزعة ثقته بنفسه وبقواته الأمنية والعسكرية، وبإدارته، وبالتالي الابتعاد عنها دون دعم جماهيري والالتفاف حولها، بحيث يسهل القضاء عليها. والحرب الخاصة، تستند بشكل عام إلى ثلاثة أشكال رئيسية: الانقلابات العسكرية، والحرب الخبيثة، وتعتمد على “قوات المهام الخاصة، والمرتزقة والعملاء والخونة، والاستخبارات”، والثالوث المميت، “الجنس، والرياضة، والفن”.
هذه الأشكال الرئيسية التي تمارسها الأنظمة بحق الشعوب عندما تسعى الشعوب إلى التحرر من نير العبودية والاحتلال، والأمثلة عليها كثيرة خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
الحرب الخاصة ضد الشعب الكردي
لأن الدولة التركية تعلم جيداً بأن الكرد، هم أصحاب الأرض الحقيقيون، فهم يسعون دوماً إلى طمس الهوية الكردية، وإلغائها، حيث كان لفظ كلمة الكرد أو كردستان، تُعرّض صاحبها إلى السجن بتهمة إضعاف القومية التركية، لذا فهم استخدموا كافة الأساليب التقليدية والغير تقليدية، وجميع الأسلحة المسموحة والمحظورة، وكافة الألاعيب والمؤامرات، عبر الحرب الخاصة ضد الشعب الكردي، في مختلف أجزاء كردستان، بهدف إبعاده عن قضيته القومية الأساسية.
ومنذ أيام العثمانيين، وهي تعمل على خلق فتنة بين الكرد، والعرب، والأرمن، والسريان، من خلال إنشاء الفرسان الحميدية، الذين ارتكبوا جرائم بحق هذه الشعوب، كي يتم اتهام الكرد، بأنهم من قاموا بعمليات القتل، خلال المذابح الأرمنية والسريانية، إلى جانب خلق الصراع الداخلي الكردي – الكردي، والعمل على إثارة الفتن بن الكرد أنفسهم، كما مارس الأتراك سياسية التتريك بحق الكرد، بالإضافة إلى سلب الثقافة والفن الكردي، من خلال سرقة الألحان وتغير كلماتها إلى التركية.
وفي الخلاصة، الحرب الخاصة، حرب غير أخلاقية، تنفذ بأدوات منحطة، من الدولة التركية، ولا بد لنا من مواجهتها، من خلال التكاتف، وخوض حرب الشعب الثورية، والاستناد إلى القيم والمبادئ الأخلاقية المجتمعية، من خلال التعيش المشترك، وتعزيز أخوة الشعوب، على أسس الأمة الديمقراطية، كما أنه من واجب شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الكردي، أن نكون واعين للألاعيب التي تمارسها تركيا، في هذه المرحلة الحساسة، والمصيرية، وسحب كل الذرائع من يدها، وتركيا تعلم أنها لن تستطيع إنهاء القضية الكردية، حتى لو استخدمت شتى الوسائل، وللحفاظ على المكتسبات التي تحققت بدماء الشهداء، علينا كشعوب المنطقة، الوقوف في وجه هذه الحرب الشعواء، بتكثيف الجهود، والالتفاف حول الإدارة الذاتية، وقوات سوريا الديمقراطية، وقوى الأمن الداخلي، وبذلك فقط يمكننا حماية مكتسبات ثورة روج آفا.




