الكساندرا محمد
مَرَرْتُ بِمَدِينَةٍ تُشْبِههُنَّ،
فَرَأَيْتُ العَجَائِبَ…
أَطْلَالٌ بَشَرِيَّةٌ ذَابِلَةٌ
تَمْشِي نَحْوَ الفَرَاغ،
وَأَشْبَاحٌ مُتَشَحَّةٌ بِالسَّوَادِ
بِحُجَّةِ العَوْرَة،
وَفِي صُدُورِهِنَّ هُوَّةٌ،
وَفِي أَفْوَاهِهِنَّ صَمْتٌ
أَثْقَلَ مِنَ المَوْتِ.
كُنَّ ضَحَايَا،
وَلَمْ يَسْمَعْ نَبِيٌّ
صَرْخَاتِهِنَّ.
وَاحِدَةٌ نُزِعَ رَأْسُهَا
لأَنَّهَا لَمْ تُغَطِّ سَنَابِلَ
شَعْرِهَا.
وَأُخْرَى صُلِبَتْ عَارِيَةً
مِنَ الرُّوحِ، علَى جِدَارِ “الشَّرَف”،
بِخَيْطٍ سَاخِنٍ مِنَ العَارِ
خَاطُوا فَمَهَا،
وَكُتِبَ بِجَانِبِ جُثَّتِهَا:
“تِلْكَ الفَتَاةُ
تُطَالِبُ بِحُقُوقٍ
تُجَعْلُ النِّسَاءُ تَثُورُ.”
كَمْ مِنْ جُثَّةٍ حُمِلَتْ،
وَقِيلَ عَنْهَا
إِنَّهَا سَقَطَتْ فِي الحُبِّ…
بَيْنَمَا
سَقَطَتْ فِي جُحْرِ
مَنْ قَتَلَهَا بِاسْمِ الحَمَايَة.
كَمْ مِنْ رَجُلٍ
غَسَلَ يَدَيْهِ مِنْ دَمِهَا،
وَأَشْعَلَ سِيجَارَةً،
كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ،
كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ.
فِي الحَيِّ الأول،
مَشَتْ فَتَاةٌ بِلا خَوْف،
فَجَرُّوهَا إلى الزُّقَاقِ
كَأَنَّهَا جُنَاحٌ مَكْسُورٌ،
لَمْ يُقَرِّبْهُمْ إِلَيْهَا
سِوَى كَوْنِهَا حُرَّةً.
هُنَاكَ، كَانَت الحُرِّيَّةُ جُرْمًا
يُعَاقَبُ بِالذَّبْحِ.
فِي شَوَارِعِ الحي الثاني،
يَاسَمِينِي الَّذِي كُنْتُ أَسْقِيهِ
بِالدَّمْعِ،
ذَبُلَ تَحْتَ شَمْسِ الانْتِظَارِ،
ذَاكَ النَّبَاتُ
الَّذِي غَرَسْنَاهُ سَوِيًّا،
ذَابَ، كَمَا ذَبَلَتْ ضَحِكَتِي
فِي وَجْهِ أَبِي.
فِي السِّرِّ،
كُنَّا نَتَعَلَّمُ النُّطْقَ،
وَفِي العَلَنِ نَصْمُتُ.
فِي السِّرِّ،
كُنَّا نَحْلُمُ،
وَفِي العَلَنِ نَتَأَلَّمُ.
هَكَذَا عِشْنَا،
نَكْتُبُ الرِّسَالَةَ فِي الدَّمِ،
نَتْرُكُهَا تَحْتَ وِسَادَةِ
أُمٍّ مَكْسُورَةِ الظَّهْر.
كُنَّا نُولَدُ وَنُحَاسَبُ،
نُحِبُّ وَنُسْتَهْجَنُ،
نُرِيدُ الحَيَاةَ فَيَقُولُونَ عَنَّا
فَاجِرَات.
نَمُوتُ مَرَّتَيْنِ:
مَرَّةً حِينَ يُخْنَقُ صَوْتُنَا،
وَمَرَّةً حِينَ يُحْفَرُ قَبْرُنَا،
وَيَكْتُبُونَ عَلَيْهِ:
“مَرَّتْ مِنْ هُنَا،
وَنَسِيتْ أَنْ تَسْتَأْذِنَ!”
رَحِمُوهَا وَقَتَلُوهَا
رَحِمُوهَا… وَقَتَلُوهَا،
جَعَلُوا مِنْ جَسَدِهَا شَرَفَهُمْ،
وَنَسُوا أَنَّهُ جَسَدٌ يَخُصُّهَا،
رَبَطُوهُ بِالفَضِيلَةِ وَالرَّذِيلَةِ،
حَمَلُوهُ وَزْرَ أَسْئِلَتِهِمْ الدَّفِينَةِ.
دَفَنُوهَا فِي قَبْرٍ وَاسِعٍ
كَالصَّمْتِ،
لَا زَائِرَ لَهُ سِوَى رِيحٍ
تُشْبِهُ صَوْتَهَا،
وَتَحْتَ الترَابِ،
لَا يَصِلُهَا سِوَى عِطْرِهِ.
وَقَالُوا:
“تِلْكَ هِيَ الَّتِي
تَطَلَّعَتْ لِلنُّورِ
وَأَحْرَقَتْنَا!”.




