روناهي/ دير الزور ـ في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وارتفاع جنوني في أسعار مواد البناء التقليدية، يعود “حجر اللبن” المصنوع يدوياً من التراب والقش والماء، ليفرض نفسه حلاً رئيسياً لمعضلة الإعمار في مقاطعة دير الزور.
بات حجر اللبن الملاذ الوحيد للكثير من الأهالي الراغبين في إعادة بناء مأوى لعائلاتهم، في ظل عجزهم عن تحمل تكاليف الحجر الإنشائي ومستلزمات البناء الحديثة الباهظة.
حجر اللبن حل بديل عن الإسمنت والحديد
وتعكس هذه الظاهرة الواقع المرير الذي يواجهه سكان مقاطعة دير الزور، حيث تُشكل تكلفة الإسمنت والحديد والطوب المصنع عائقاً كبيراً أمام جهود إعادة الحياة إلى طبيعتها، فبينما تُشكل عمليات الإعمار ضرورة ملحة، تظل القدرة الشرائية للأهالي متدنية، مما يدفعهم للبحث عن بدائل محلية بأقل كلفة.
وفي السياق؛ تحدث لصحيفتنا “روناهي”، أحد أهالي ريف مقاطعة دير الزور “جاسم العبد الله“: “كان حجر اللبن، ذلك المكعب الترابي المصنوع من الطين والتبن والمجفف بأشعة الشمس، هو الأساس الذي قامت عليه بيوت أهالي دير الزور لقرون طويلة، فلم يكن هناك حديث عن الأساسات الخرسانية أو الأعمدة الحديدية أو الطوب المصنع في تلك الأيام، بل كانت البيوت تُشيّد بانسجام تام مع البيئة المحيطة، مع موارد الأرض المتوفرة”.
وتابع: “ومع بدء زحف العمارة الحديثة ودخول الإسمنت والحديد والطوب المصنع إلى المنطقة، وبناء المباني متعددة الطوابق، تخلى الأهالي تدريجياً عن “حجر اللبن”، واندفعوا نحو الحداثة التي وعدت بالمتانة والسرعة”. وأوضح العبد الله: “يبدو أن عجلة الزمن قد دارت لتعيد إحياء هذا التقليد العريق، فمع الأوضاع الاقتصادية الراهنة التي جعلت مواد البناء الحديثة حلماً بعيد المنال للغالبية العظمى من السكان، لجأ أهالي ريف مقاطعة دير الزور، وبخاصة من يفتقرون إلى الموارد اللازمة، إلى البناء بحجر اللبن، مستغنين عن الإسمنت وتكاليفه الباهظة، ولم يعد هذا اللجوء مجرد خيار اضطراري، بل حل في الظروف الاقتصادية الصعبة”.
وقال: “إن ما يميز البناء بحجر اللبن، فضلاً عن تكلفته المنخفضة وتوافره، هو خواصه الحرارية الفريدة، فالمنازل المبنية من هذا الحجر الأصيل تتمتع بقدرة طبيعية على العزل الحراري، فتظل باردة ومنعشة في صيف دير الزور الحار، ودافئة ومريحة في شتائه القارس”، مضيفاً: “وتسهم هذه الميزة البيئية في توفير الطاقة، وتُقدم بيئة معيشية صحية، ما يجعله خياراً ذكياً يتناسب مع المناخ المحلي”.
وأشار أحد أهالي ريف مقاطعة دير الزور “جاسم العبد الله”، في ختام حديثه: “إن كل حجر لبن في طياته تاريخاً طويلاً، بطيات ذكريات الأهل والأجداد، فإنه ليس مجرد مادة بناء، بل هو جزء من الهوية الثقافية للمنطقة، رمز للصمود، وشاهد على القدرة على البناء من رحم المتاح، والتواصل مع إرث الأجداد الذين أتقنوا فن العيش والبناء بموارد الأرض”.




