قامشلو/ ملاك علي – في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المرأة في المجتمعات الشرق أوسطية، تبرز أهمية المراكز المجتمعية التي تهدف إلى تمكين المرأة وتعزيز دورها في بناء المجتمع، من بين هذه المبادرات النبيلة، يأتي “دار المرأة” في حي طي بمدينة قامشلو، مثالاً حيّاً على الجهود المبذولة لحماية حقوق المرأة، وتوعيتها بمكانتها وحقوقها الأساسية.
يعتمد مؤتمر ستار على منهج متكامل يجمع بين الدعم النفسي والاجتماعي، والتوعية القانونية، والتمكين المهني والثقافي، ويقوم بمراكزه بتنظيم ورشات عمل، ودورات تدريبية، ولقاءات تثقيفية تهدف إلى نشر الوعي حول حقوق المرأة، ومحاربة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتعزيز الثقة بالنفس لدى النساء من مختلف الفئات العمرية، كما يقدم المركز خدمات استشارية ودعم قانوني للنساء اللواتي يتعرضن لانتهاكات أو يواجهن صعوبات داخل الأسرة أو المجتمع. إلى جانب ذلك، يسعى إلى خلق مساحة آمنة للنساء للتعبير عن آرائهن وتجاربهن، وتبادل الخبرات في بيئة تحفّز على الاحترام والدعم المتبادل؛ ما يجعل مؤتمر ستار أحد الأعمدة الأساسية في مسيرة تمكين المرأة في المنطقة. ومن بين مراكز مؤتمر ستار دار المرأة في حي طي بمدينة قامشلو.
تحقيق العدالة والتوازن بين الجنسين
في حي طي بمدينة قامشلو، حيث الطابع العشائري والذكوري لا يزال مسيطراً على تفاصيل الحياة اليومية، وقد بدأ “دار المرأة “عمله قبل قرابة عامين، في خطوة جريئة وسط بيئة واجهت المبادرة بالكثير من التحفظ والمقاومة الفكرية، والاجتماعية، المركز يتبع مؤتمر ستار، وتديره الإدارية “ياسمين عيسى”، التي تحدثت بإسهاب عن التحديات والصعوبات التي واجهتهم منذ اليوم الأول، والجهود التي بُذلت لتأسيس قاعدة مجتمعية تدافع عن حقوق المرأة وتسعى لتحقيق التوازن والعدالة بين الجنسين.
تقول ياسمين: “حي طي كان من المناطق التي تتواجد فيها قوات النظام البعثي سابقاً، وغالبية سكانه من الشعب العربي بنسبة تتجاوز 97%، بينما لا تتجاوز نسبة الكرد فيه 3%، وقد انعكس هذا التكوين المجتمعي على طبيعة الذهنية السائدة، التي يمكن وصفها بالذكورية السلطوية، والتي كانت من أولى العوائق التي اصطدمنا بها”.
منذ انطلاقة المركز، كان واضحاً أن التغيير لن يكون سهلاً، خاصة في مجتمع يرى في كل مبادرة تخص المرأة تهديداً للعرف والعائلة، “واجهنا اعتراضات شديدة من بعض السكان الذين اعتقدوا أن دار المرأة هو وسيلة لتفكيك الأسر، وتشجيع النساء على الطلاق والانفصال، واعتبروا وجودنا تهديداً للحياة الزوجية”.
ورغم هذا الحصار الفكري والاجتماعي، لم يتراجع المركز، بل انطلق بسلسلة من المحاضرات واللقاءات التوعوية التي استهدفت النساء والرجال على حد سواء، وهنا بينت ياسمين: “بدأنا بتقديم محاضرات حول مناهضة العنف ضد المرأة، ورفع مستوى وعي النساء بحقوقهن، ومع الوقت، لاحظنا أن هناك تغيراً في نظرة المجتمع إلينا، وبدأت النساء اللواتي تنضم إلينا”.
لكن التطور اللافت كان في تغيير سلوك بعض الرجال تجاه المركز، فقد أصبح بعضهم يقصد المركز لعرض قضاياهم، وطلب الوساطة في حل الخلافات الزوجية، وتوضح ياسمين: “بدأ بعض الرجال يأتون إلينا ليطلبوا تدخلنا في مشاكلهم مع زوجاتهم، وكانوا يطلبون الحماية من بعض التصرفات التي يرونها مجحفة بحقهم، وهنا نؤكد أننا لا ننحاز لأي طرف، بل نستمع للطرفين، وإذا كان الحق مع الرجل نقف إلى جانبه، وإذا كان مع المرأة ندافع عنها، هدفنا ليس الانتصار لجنس على آخر، بل الوصول إلى حل عادل يرضي الطرفين ويعيد التوازن للعلاقة”.
مواجهة التحديات العشائرية والتحول المجتمعي
يضم المركز لجنة مختصة تُعنى بعدالة القضايا، تقوم بدراسة الملفات المرسلة، لا سيما تلك المتعلقة بالخلافات الزوجية، وتمنح اللجنة كل قضية الوقت الكافي للنقاش، والعمل على المصالحة، وتقريب وجهات النظر بين الزوجين، مع السعي للحفاظ على الودّ والاحترام بين الطرفين، تضيف ياسمين “نحاول أن نجعلهم يراجعون أنفسهم قبل اتخاذ أي قرار مصيري كالانفصال، ونركز على أن الخلافات، مهما كانت، يمكن تجاوزها إذا وجدت الإرادة لذلك”.
والطابع العشائري كان ولا يزال أحد أبرز التحديات التي تواجه عمل المركز، فعندما تكون العلاقة الزوجية قائمة بين أفراد من العشيرة نفسها، يُمنح الطرفان مساحة أوسع لحل خلافاتهما داخل العائلة، وذكرت ياسمين بأنه عندما يتعذر الحل داخل العائلة أو العشيرة، يتدخل المركز، وإذا فشلوا أيضاً، يقومون بتحويل الملف إلى دار المرأة في مدينة قامشلو، والتي تملك صلاحيات أوسع لحل مثل هذه النزاعات.
ورغم استمرار وجود بعض الأصوات المعترضة، إلا أن الإدارية “ياسمين عيسى” ترى أن التحول المجتمعي الذي بدأ يظهر هو مؤشر إيجابي، ويستحق البناء عليه، وتؤكد في ختام حديثها: “التغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها، خاصة في منطقة تسودها العقلية الذكورية الراسخة منذ عقود، لكن ما نراه اليوم من تفاعل من النساء، وتقبّل من بعض الرجال، يثبت أن رسالتنا بدأت تصل، ولا زال الطريق طويلاً، لكننا ماضون فيه بإصرار”.




