محمد عيسى
في خطوة مثيرة للجدل، أعلن رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، التشكيلة الوزارية الجديدة في مراسم جرت في قصر الشعب بالعاصمة دمشق. الحكومة ضمت 23 حقيبة وزارية، بينها وزارات أساسية مثل وزارة الخارجية، والدفاع، والطوارئ والكوارث، أثارت موجة من الاحتجاجات والانتقادات. في وقت تواجه فيه سوريا أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، فإن هذه التشكيلة الجديدة أظهرت من جديد أن السياسات السورية الحالية ما تزال تركز على الاستئثار بالسلطة من مجموعة محدودة، مع تجاهل ملحوظ للتنوع الاجتماعي والسياسي، الذي يميز المجتمع السوري. كما تواصل هذه الحكومة نهجًا يُنظر إليه من العديد من الأطراف خطوة إلى الوراء في سبيل تحقيق الحل السياسي الشامل، الذي يأمل فيه السوريون.
إعادة إنتاج النظام بشكل جديد
في ظل الأزمات العميقة والمتشابكة، التي يعاني منها الشعب السوري، برزت التشكيلة الوزارية الجديدة، التي أعلنها رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، في مراسم جرت في قصر الشعب بالعاصمة دمشق. وتتألف الحكومة الجديدة من ثلاث وعشرين حقيبة وزارية، شملت وزارات حيوية مثل وزارة الرياضة والشباب، ووزارة الطوارئ والكوارث. ورغم ما قد يُعتقد من أن هذه التعيينات تحمل في طياتها بعض التغيير، فإن التحليل العميق للتشكيلة الوزارية يعكس بوضوح أن هذه الحكومة ليست سوى امتداد للنظام القديم، بل هي في الواقع إعادة إنتاج له تحت مسميات جديدة.
البارز في التشكيلة الجديدة كان احتفاظ أسعد الشيباني، ومرهف أبو قصرة، المقربين من الشرع، بحقيبتي الخارجية والدفاع؛ ما يعكس استمرار نهج الهيمنة السياسية، التي كان يعتمدها النظام السابق. كما تم تعيين شخصيات أخرى مثل أنس خطاب وزيرًا للداخلية، ومظهر الويس وزيرًا للعدل، في حين تم تخصيص حقائب أخرى لعدد من الشخصيات التي تنتمي إلى دوائر السلطة المقربة من النظام، مثل نضال الشعار وزيرًا للاقتصاد والصناعة، ورائد الصالح، الذي كان يشغل منصب مدير منظمة الدفاع المدني المعروفة باسم “الخوذ البيضاء”، وزيرًا للطوارئ والكوارث. وقد تضمنت التشكيلة أيضًا تعيين محمد البشير وزيرًا للطاقة، ومحمد يسر برنية وزيرًا للمالية، وهند قبوات وزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل.
وبينما جاء اختيار بعض الشخصيات من خلفيات تقنية أو تكنوقراطية، إلا أن الغالبية العظمى منهم ينتمون إلى دوائر السلطة المقرّبة من النظام الحاكم في دمشق؛ ما يشير إلى أن التغيير المزعوم لا يتجاوز حدود الشكل والمظهر. هذا يعكس رغبة السلطة في الحفاظ على السيطرة شبه الكاملة على مفاصل الدولة دون إحداث تغييرات حقيقية في الهيكلية السياسية. وفي وقت حاسم، عندما كانت آمال السوريين ترتكز على إجراء إصلاحات حقيقية، يبدو أن الحكومة الجديدة تسعى لتأكيد استمرارية السياسات القديمة التي تركز السلطة في يد قلة قليلة من الشخصيات، مع تهميش المكونات الاجتماعية والسياسية، التي كانت دائمًا مهمشة في العهود السابقة.
على سبيل المثال، تعيين شخصيات مثل أسعد الشيباني، ومرهف أبو قصرة في مناصب حساسة مثل وزارة الدفاع والخارجية يوضح بشكل جلي أن السلطة الجديدة لا تزال تفضل تكريس الهيمنة السياسية للأفراد، الذين تمتعوا بنفوذ قوي في النظام السابق. هذا يعد استمرارًا للنهج الإقصائي نفسه الذي كان سائدًا في عهد بشار الأسد، حيث كانت مفاصل الدولة تتحكم فيها قلة من الشخصيات التي تتمتع بولاء مطلق للسلطة، بينما يتم تهميش الشعوب التي تعد جزءًا أساسيًا من المجتمع السوري.
في الوقت نفسه، أثار اختيار هذه التشكيلة الوزارية جدلاً واسعًا في بعض المناطق السورية، حيث اعتبر العديد من السوريين أن هذه الحكومة لا تمثل تطلعاتهم، ولا تعكس التنوع والتعدد في المجتمع السوري. وفيما كان السوريون يأملون في تشكيل حكومة تضم الشعوب السورية من عرب، وكرد وتركمان، ومن مختلف الأديان والطوائف، جاءت الحكومة الجديدة لتُظهر تفضيلًا واضحًا للمقربين من دوائر السلطة مع تجاهل فاضح للشعوب التي طالما كانت مهمشة في العهود السابقة.
هذا التهميش المستمر للمكونات الأساسية في المجتمع السوري يعزز الاعتقاد بأن الحكومة الجديدة تسعى لتكرار السياسات نفسها، التي كانت سائدة في النظام السابق، ما يخلق مزيدًا من الإحباط لدى هذه الجماعات، التي كانت تأمل في أن تكون جزءًا من عملية سياسية شاملة. وبدلاً من السير في طريق التعددية والشراكة، فإن حكومة دمشق الجديدة تواصل تمسكها بمفاتيح السلطة بعيدًا عن هذه الشعوب الأساسية.
بالتالي، فإن هذه الحكومة الجديدة لم تقدم أي مؤشر حقيقي على التغيير، الذي طالما طالب به الشعب السوري، بل على العكس، يبدو أنها تتبع النهج الإقصائي، الذي كان سائدًا في عهد بشار الأسد. إن غياب التعددية الفعلية في التشكيلة الوزارية الجديدة يثير الشكوك حول ما إذا كانت هذه الحكومة قادرة على تحقيق أي تقدم في حل الأزمة السورية وتشكيل مرحلة انتقالية حقيقية.
رفض السوريون الحكومة الجديدة
في ظل الظروف الراهنة، التي تمر بها سوريا منذ عام 2011، لم تكن التشكيلة الحكومية الجديدة التي أعلنت عنها دمشق في 29 آذار 2025 سوى خطوة أخرى في تعزيز سياسة الاستئثار بالسلطة والإقصاء المستمر للعديد من المكونات الاجتماعية والسياسية في البلاد.
فقد عبرت الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا عن رفضها القاطع لهذه الحكومة، مؤكدة أن هذه التشكيلة لا تعكس التنوع والتعدد، الذي يميز المجتمع السوري. وعدَّت هذه الخطوة لا تساهم في معالجة الأزمة بل تعيد البلاد إلى نقطة الصفر، حيث تواصل الهيمنة من طرف واحد على الحكم؛ ما يزيد تعميق الشرخ السياسي والاجتماعي.
ووفقًا للبيان الصادر عن الإدارة الذاتية، فإن استمرار إقصاء الشعوب المختلفة، وعلى رأسها الكُرد، والدروز، والعلويون، من عملية اتخاذ القرار السياسي، يعرقل أي تقدم نحو بناء سوريا ديمقراطية تشاركية. وقد شددت الإدارة على تمسكها بالمطالب الأساسية، التي خرج من أجلها الشعب السوري في بداية الثورة، والمتمثلة في بناء نظام سياسي ديمقراطي لا مركزي يضمن لجميع السوريين حقوقهم في المشاركة السياسية الفاعلة والمتساوية.
في السياق ذاته، عبّر مجلس سوريا الديمقراطية عن استيائه من التشكيلة الحكومية، التي تم الإعلان عنها، مُشِيرًا إلى أن الحكومة الجديدة لا تعكس التنوع السوري، بل تغلب عليها توجهات أحادية تعكس سيطرة جهة واحدة على مقاليد الأمور. وقد أبدى المجلس استغرابه من غياب التمثيل الفعلي للمرأة في التشكيلة الحكومية، على الرغم من أن النساء تُعدَّ من أكبر الشرائح الاجتماعية المتضررة في الحرب، ومن التهميش السياسي. وأكد المجلس أن تشكيل حكومة من هذا النوع لا يمكن أن يُعدُّ خطوة نحو الحل، بل يعكس غياب الالتزام بمبادئ المشاركة الوطنية الحقيقية.
وجدد المجلس تأكيده على أن أي حل سياسي يجب أن يستند إلى أسس ديمقراطية حقيقية، وهو ما يتطلب من القوى الوطنية السورية العمل معًا من أجل بناء مسار سياسي جديد يضمن العدالة والمساواة للجميع. ولفت المجلس إلى أن الحكومة الحالية لا تحمل أي ملامح لمرحلة انتقالية حقيقية، بل تستمر في الحكم نفسه، الذي يعكس تمسك دمشق بالسلطة المركزية دون مراعاة لحاجة البلاد إلى التعددية والشراكة.
إجمالاً، تعكس هذه المواقف الصادرة عن الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية حالة من الإحباط العميق من استمرار سياسات الإقصاء والتهميش، ما يزيد تعقيد الوضع السوري ويؤجل أي أمل في تحقيق حل سياسي شامل يضمن الحقوق والمشاركة المتساوية للسوريين جميعهم.احتجاجات في السويداء ودعوات للتغيير
في إحدى أبرز تجليات الرفض الشعبي للتشكيلة الوزارية الجديدة، التي أُعلنت مؤخرًا في دمشق، خرجت مظاهرات حاشدة في مدينة السويداء، معبرة عن الاستياء الكبير من الحكومة الجديدة التي وصفها المتظاهرون بأنها “غير شرعية” ولا تعبر عن تطلعات الشعب السوري. حَمَل المحتجون لافتات مكتوب عليها شعارات تدين الحكومة الحالية وتطالب بتغيير جذري في النظام، موجهين انتقادات لاذعة لما أسموه بـ “حكومة الشرع” التي تفتقر إلى تمثيل حقيقي لجميع شرائح المجتمع السوري. وقد تركزت مطالبهم على ضرورة إنهاء استحواذ طرف واحد على السلطة، وفتح المجال لمشاركة المكونات السورية في صنع القرار السياسي.
تزامنت هذه الاحتجاجات مع تزايد الغضب الشعبي في السويداء، التي هي من المناطق، التي تشهد تفاقمًا في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بسبب الظروف الحالية، التي تمر بها البلاد. فقد أعرب العديد من المحتجين عن شعورهم بالإحباط من استمرار تجاهل الحكومة لمطالب الشعب، مؤكدين أن هذه الحكومة لا تمثل تطلعاتهم ولا تساهم في حل الأزمات المستفحلة، التي يعانون منها. وفيما كان الحضور الشعبي كثيفًا في الشوارع، استمر المحتجون في رفع شعارات تدعو إلى تغيير حقيقي، حيث اعتبروا أن الحكومة الجديدة هي استمرار للنظام الدكتاتوري، الذي يعجز عن تلبية احتياجات الشعب السوري في ظل الأزمات المستمرة.
المتظاهرون في السويداء، مثل العديد من المناطق الأخرى في سوريا، يطالبون ببناء دولة ديمقراطية تُكرّس مبدأ المواطنة والمساواة، بعيدًا عن سياسات الإقصاء والتهميش، التي استمرت لعقود. فقد شدد المحتجون على ضرورة أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة انتقالية حقيقية تضمن تحقيق العدالة لجميع السوريين، وتعطيهم الفرصة للمشاركة الفعالة في بناء دولة جديدة قائمة على الشفافية والعدالة. وأكدوا أن الشعب السوري بحاجة إلى حكومة تمثل إرادته ولا تقتصر على مجموعة صغيرة أو طرف واحد يحتكر السلطة.
حكومة بلا آفاق جديدة
من خلال فحص التشكيلة الوزارية الجديدة في سوريا، يمكن القول: إن الحكومة التي تم تشكيلها تحت قيادة أحمد الشرع تعكس استمرارًا لسياسات الإقصاء والهيمنة على مفاصل الدولة. فهي لا تعكس مطالب السوريين في الحرية والمساواة، ولا تبشر بأي حلول حقيقية للوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد. في ظل هذا الواقع، تظل التساؤلات قائمة حول قدرة هذه الحكومة على تحقيق إصلاحات حقيقية، أو أنها مجرد خطوة أخرى في عملية إعادة إنتاج النظام الحاكم، بعيدًا عن التغيير الذي يطالب به الشعب السوري.
تحتاج سوريا اليوم إلى حكومة تمثل مكونات الشعب السوري، حكومة شاملة تعكس التعددية والحرية، وتعمل على تلبية مطالب السوريين في الحرية والكرامة والمساواة. أما في ظل الحكومة الحالية، فإن الطريق إلى هذا التغيير لا يزال طويلًا، في ظل استمرار الاحتكار السياسي وتجاهل التنوع الاجتماعي والسياسي.