ريما آل كلزلي
استمعتُ يومًا إلى لقاء مصوّر مع المبدع إبراهيم الكوني، وشدّني قوله عندما سُئل عن الكتابة: “إنها علم عايشته طويلًا ولم أكتفِ. مع مرور الوقت، منحني مفاتيح لاكتشاف معاني الكتابة بنفسي. فالكتابة فكرة، والفكرة تحتاج إلى تقنيات لتتحوّل إلى موضوع وخطة ذات مصير. المصير النهائي يحتاج إلى مسارات وخطة ذات مسارات لكل شخصية. فأنت تخلق عالمًا خاصًا بك، لابد أن يحمل أنفاسك وروحك وبصمتك ليبرهن أنك جدير به. تعدد شخصياتك الرئيسية ومواقفها الرئيسية، ثم تتفرع منها التفاصيل. أما ما يأتي في التفاصيل، فعليك أن تنتبه؛ لأن بعض التفاصيل في غاية الأهمية. الخطة هي هيكل متكامل يجب أن يمتلئ، وأن تعطي كل شيء في السرد حقه، حتى وإن كان حيوانًا أو نباتًا؛ لأن كل شيء موجود يريد أن يقول كلمته، حتى الجماد والحجر يتكلم، وأنت مُلزم بأن تعطيه حقّه، فهذه مسؤولية”.
ليس كاتبًا اعتياديًا ذلك الذي يستطيع تجسيد الصحراء بشكل ملحمي، فيترجم كل حجر وكل حبة رمل ويجعلها تحتفظ بتقاليدها وأساطيرها إلى نصوص سردية تلامس القلب والعقل. وقد جرّ قارئه إلى تلك العوالم متجاوزًا الزمان والمكان، جاعلًا المكان عالم متكامل يحمل فلسفته ورؤيته الروحانية تناول فيها الكوني موضوعات مثل العزلة، البحث عن الذات، الصراع بين الخير والشر، والعلاقة بين الإنسان والطبيعة. 
حينما وصف جورج لوكاتش الرواية بأنها “ملحمة العصر الحديث”، ألبس السّرد العربي عباءة هذا الوصف ومنحه تلك الأهمية، واتخذت الرواية طابع الوصف لتحولات عميقة ومستمرة للمجتمعات العربية. بدأت مع أدباء مثل توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، تلك المجتمعات، التي رفضت الاستعمار، ثم انعطفت لتعالج قضايا ما بعد الاستعمار مثل الهوية، والحداثة، والتقاليد.
كانت الواقعية هي السمة الأولى لهذه الرواية، لكنها اتجهت في العقود الأخيرة من القرن العشرين إلى الحداثة والتجريب مع إبراهيم الكوني، الذي استطاع التعبير عن القضايا الثقافية، والفلسفية، لاستكشاف الهوية والتاريخ. يظهر إبراهيم الكوني مفكراً وفيلسوفاً يسعى دائمًا لاستكشاف الحقائق الكبرى عن الحياة والكون. يتقصى الأسئلة الوجودية الكبرى مثل معنى الحياة والموت، فتظهر في أعماله موضوعات التحدي والمقاومة والصمود، التي تعكس صلابة شخصيته وقدرته على مواجهة التحديات في الحياة الواقعية.
لعل أميز ما جاء به أنه لم يستخدم الصّحراء في رواياته خلفية جغرافية أو طبيعية فحسب، بل جعل منها عنصرًا حيويًا يشكل الشخصيات والأحداث، ويعكس ذلك نظرته الشمولية للعالم، حيث الإنسان جزء لا يتجزأ من الكون الأكبر.
حضر المكان في أعمال الكوني بشكل جعل الزمان يتلاشى، فبدت الصحراء بمساحاتها الشاسعة وقسوتها وكأنها خارج الزمن. الصحراء مكان أزلي لا يخضع للتغيرات العادية التي تشهدها بيئات أخرى، لكنه يمنح القارئ إحساسًا بالخلود السردي، ويجعل الأحداث الواقعة فيها تبدو وكأنها جزء من دورة أبدية.
استخدم الكوني الصحراء فضاءً يسمح له بالتعبير عن أفكار فلسفية حول الزمان والوجود. فكانت الصحراء البطل الصامت الذي يؤثر على كل شخصية من شخصياته ويشكل كل حكاية. بدت شخصياته منفصلة عن الواقع المألوف، كدعوة إلى القارئ للتفكير في العالم من منظور جديد وأعمق.
في رواية “الطين والرماد” لعبت الصحراء دورًا محوريًا في تشكيل الحكاية. إذ تتحرك الشخصيات خلالها وكأنها تسير في حلقة مفرغة، تعيد تجربة أسلافها. أما الودّان (الوعل الصحراوي)، فقد مثّل رمزًا قويًا في روايات الكوني، فهو يعبر عن العلاقة بين الإنسان والطبيعة. ظهر الودّان كرمز للحرية والنبل والمقاومة، وأظهر جانبًا من الإشكالية بين الإنسان والقدر.
في رواية “نزيف الحجر” يتضح أكثر تلاشي الزمن حينما قدّم الكوني شخصية الودّان كمحور رئيسي يدور حوله السرد. يدور الصياد حول محاولته الإمساك بهذا الحيوان النادر. ونرى كيف وظّف الكوني الأبعاد الرمزية للودّان كالحرية والمقاومة، من خلال قدرته على التحرك بسرعة وخفة، فصار رمزًا للتحدي في وجه السيطرة والقهر. لم يكن الودّان مجرد حيوان بري نادر، بل تجسيد لروح الصحراء نفسها. صوّره الكوني مخلوقاً أسطورياً يحمل قوى الصحراء العظيمة وأسرارها.
عرض الكوني من خلال الودّان كيف يمكن للأدب أن يكون وسيلة لاستكشاف وتحليل القيم الإنسانية العميقة والتفاعلات البيئية في إطار فلسفي وأدبي غني. أصبحت الصحراء في سردياته مرآة تعكس الروح الإنسانية في صراعها مع الخلود، العزلة، ورحلة البحث عن المعنى.
رغم عزلته الروحية، يظهر في كتابات الكوني اهتمام واضح بمسائل الهوية والانتماء. شخصياته تعيش في صراع مع البيئة الصحراوية وتقاليدها، فيدل على تجربته الشخصية بالانتقال بين الثقافات والأماكن. يستكشف من خلالها مفاهيم الجذور والاغتراب والبحث عن معنى الوطن، مما يضيف عمقًا نفسيًا لشخصيته وأعماله. هذه الشخصية تجسد مزيجًا من الروحانية، والفلسفة، والإبداع.
يبقى إبراهيم الكوني واحدًا من أبرز الأصوات الأدبية العربية التي استطاعت أن تسبر أعماق النفس البشرية من خلال الصحراء بمفهومها الواسع، كفضاء مادي وروحي. أعماله ليست مجرد سرديات، بل هي دعوة للتأمل والتعمق في فهم الذات والعالم، وإرثًا أدبيًا وفلسفيًا خالدًا.
“مقالة ضمت إلى كتاب يخص الأديب ابراهيم الكوني”.




