قامشلو/ جوان محمد ـ أكثر من عقدين من الزمن يمران على المؤامرة الدنيئة التي أحاكها النظام البعثي البائد ضد الشعب الكردي في سوريا ومحاولة زرع الفتنة بينه وبين الشعب العربي، وفي الوقت نفسه؛ تلك المؤامرة جوبِهت بانتفاضة شعبية وأسقطتها، بالرغم أن الرياضة هي رسالة محبة وسلام، ولكن ليس عندما يسيطر عليها البعث الفاشي.
كلنا نُدرك بأن النظام البعثي البائد في العراق كان يتحكم بالرياضة، وتوأمه البعث في سوريا كان على الشاكلة نفسها، ففي سوريا فقد كانت المؤامرات على شعوب المنطقة مستمرة، ولم يترك حزب البعث بسوريا أي مجال ولم يتم استغلاله إبّان حكمهم طوال عقود من الزمن.
في العام 2003 سقط نظام البعث العراقي وهكذا تخلصت الشعوب في العراق من نظام دموي مارس القتل والاعتقال وارتكب المجازر طوال عقود من الزمن، وأصبح إقليم كردستان حراً ويدار من أبنائه، ومع تلك التغييرات دبَّ الذعر والخوف بين أوساط حزب البعث الحاكم في سوريا الذي كان يترأسه بالعام 2004 الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وبدأ يُفكر مليّاً هذا الحزب كيف سوف يوجه ضربة للشعب الكردي حتى لا يفكرون بأن يكون لهم نصيباً من تلك التغيرات، وخاصةً كان يدرك هذا الحزب بأن هذا الشعب متعطش للحرية والخلاص من بطشه وقوانينه الجائرة، والتي كانت عبر ممارسات إجرامية ارتكبها هذا الحزب الفاشي منذ استيلاءه على السلطة في الستينات من القرن الماضي، وذلك عبر انقلاب عسكري، وجاءت أعماله الإجرامية من خلال فرض الحزام العربي وأخذ أراضي الكرد ومنحها لعرب من خارج الجزيرة السوريّة كما حرموا أكثر من 300 ألف مواطن من حق المواطنة السوريّة، وأصبحوا يسمونهم بمكتومي القيد (أجانب)، محرمون من التعليم والدراسة والسفر والتوظيف.. وإلخ كما كان هذا الحزب عبر نظامه الفاشي الحاكم يعتقل كل كردي يمارس العمل السياسي ويطالب بحقوق الكرد في سوريا، واعتقل المئات من المواطنين وزجهم في السجون بتهم مختلفة وعلى رأسها اقتطاع جزء من أراضي الجمهورية العربية السوريّة وضمها لدولة أجنبية.
الكثير من التراكمات بدأت لدى الشعب الكردي من عند قيادة حافظ الأسد البلاد وتوريثه الحكم لابنه بشار الأسد في العام 2000، وذلك بعد موته، واللذان كانا يحكمان البلاد باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، وكان هذا الحزب لا يوفر أي مجال وإلا يحتكره لمصلحة حزبه وأعضائه، وحتى في الرياضة كانوا مسيطرين على كل مفاصلها، من خلال الأندية والمنتخبات الوطنية.
إدارات الأندية كانت تتعين من قِبل هذا الحزب، وكان له يد في قضية انتقاء اللاعبين في المنتخبات الوطنية، وحرموا العديد من اللاعبين الكرد من ضمهم لهذه المنتخبات فقط لأنهم كُرد، وهذا الحزب لم يجد غير مباراة لكرة القدم بين نادي الجهاد من قامشلو والفتوة من دير الزور كي يستغلها ويحاول زرع الفتنة بين الشعبين الكردي والعربي، وفي الوقت نفسه إرسال رسالة للشعب الكردي أن لا يفكروا مثل أخوتهم في إقليم كردستان بإدارتهم لأنفسهم ذاتياً.
وبالفعل تمت إحاكة مؤامرة من العاصمة دمشق، ونُفذت اليوم المباراة التي ذُكرت، حيث تم جلب مرتزقة بعثيين عبر حافلات وسيارات من دير الزور وأرياف الحسكة وقامشلو ومناطق مختلفة وبداعي أنهم مشجعين لنادي الفتوة، والمشجعين دخلوا مدينة قامشلو قبل المباراة بساعات وبدأوا بإطلاق شعارات يسبون ويشتمون فيها رموز الشعب الكردي وشعارات تمجد اصدام حسين رئيس العراق المخلوع الذي ارتكب العديد من المجازر بحق الشعب الكردي في العراق والإقليم، وهنا شعر الكثيرون أنه هناك أمر مُدبر، ولكن لم يعلموا أنها مؤامرة كبيرة على الشعب الكردي، ومثله الشعب العربي أيضاً حتى يقعوا في فخ هذا الحزب والسلطة التي كانت تحاول دائماً زرع الفتنة بين الشعوب والأديان في سوريا.
انتفاضة بعد مباراة كرة القدم
في شهر آذار من العام 2004، وعند دخول هذه الجماهير القادمة من خارج المدينة للملعب قبل المباراة بساعة، لم يتم تفتيش أي شخص منهم ليدخلوا معهم الأسلحة البيضاء والحجارة والعصي عكس جماهير نادي الجهاد فقد أخذوا منهم ما يجلب الضرر بما في ذلك القداحات، فلم يُسمح بدخول أي شيء معهم وقبل المباراة بحوالي نصف ساعة بدأت تلك الجماهير بسب وشتم جماهير نادي الجهاد وترديد الشعارات المهينة للرموز الكردية وليقوموا بعدها برمي الحجارة، ومهاجمة جماهير الجهاد التي كانت خاوية اليدين وليظهر عبر مراسل إذاعة النظام البعثي بقامشلو، ويدّعي بأنه هناك ستة أطفال قد تم دهسهم وقُتلوا في الملعب أثناء عراك جماهير الناديين في خبر منافي للحقائق، ليتحرك أبناء قامشلو للاطمئنان على أبنائهم وتجمع الآلاف أمام الملعب وسط سقوط جرحى جُلهم من أبناء قامشلو، حيث ساعدت قوات البعث المرتزقة القادمين من دير الزور والمناطق الأخرى لضرب أبناء قامشلو والجماهير القادمة من باقي المناطق.
وليحضر بعدها محافظ الحسكة سليم كبول ويقوم بإعطاء الأوامر وإطلاق الرصاص على الشعب الأعزل، وليستشهد العديد من أبناء المدينة، واستمر عناصر البعث بإطلاق الرصاص حتى حلول المساء، وفي اليوم الثاني خرج عشرات الآلاف من أبناء قامشلو لتشييع الشهداء الذين استشهدوا برصاص قوات الأمن البعثي، وليواجهوا من جديد بالرصاص والاعتقالات ولينتشر الخبر في كل مدن روج آفا ويخرج مئات الآلاف في روج آفا، وتمتد انتفاضة قامشلو إلى كوباني وديرك وتربه سبيه والحسكة وعامودا والدرباسية وسري كانيه وتل تمر وعفرين والداخل السوري في مكان تواجد الكرد مثل ركن الدين وزورآفا وكل أجزاء كردستان وكل بلدان العالم التي يتواجد فيها الكرد، وليعتقل النظام الآلاف من أبناء الشعب الكردي، وليكون آذار ربيع جديد تفوح منه رائحة الدم الكردي مثل ربيع حلبجة والأنفال سابقاً.
رياضياً نستطيع أن نتساءل لماذا لم يتحرك الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” في وقتها؟ بحيث تنصُّ قوانينه بتجميد عضوية كل اتحاد كرة في العالم في حال تدخلت السياسة في عمله، ولم تتدخل السياسة فقط في الرياضة، بل ارتكبت مجزرة بحق أكثر من 30 مواطنٍ من مختلف المدن السوريّة وقتها، هذا غير اعتقال الآلاف منهم، وكل ذلك لم يُحرِك ضمير الاتحاد الدولي لكرة القدم لمعاقبة الاتحاد العربي السوري لكرة القدم التابع للنظام البعثي الذي كان يسيطر بشكلٍ كامل على الرياضة السورية كما ذكرنا ضمن التقرير.
سقوط المؤامرة
راهن النظام على مرتزقته من المنتمين لحزب البعث العربي من دير الزور وقامشلو ومدن مثل سري كانيه والحسكة وتربه سبيه لتحدث فتنة بين العرب والكرد ولكن بفضل العقلاء من الشعبين الكردي والعربي لم تنحدر الأحداث التي حصلت إلى حربٍ أهلية بينهما، على العكس فقد انتفض الشعب الكردي ضد النظام البعثي فقط ولم ينتقم من أي شخص عربي بالمنطقة، كما وكانت الشعارات واضحة هي ضد النظام البعثي فقط، ولتسقط المؤامرة التي أحاكها النظام البعثي الذي لم يتوقع بأن يُجابه بهذه المقاومة من أبناء روج آفا، وكان كل ظن النظام البعثي بأن الكُرد سوف يخنعون لهم، ولم يعلم بأن الانتفاضة قادمة لِتُسقط جدار الخوف طوال سنوات مرت.
سقوط النظام البعثي
هذا النظام استمر بسياسة التهميش والإقصاء للشعب الكردي بشكلٍ خاص، ومع بدء ربيع الشعوب في العديد من الدول الأخرى، لم يتخذ النظام البعثي الدروس والعبر، على العكس عندما وصل هذا الربيع إلى سوريا في آذار عام 2011، استخدم كل وسائل العنف ضدهم، بالرغم من سلمية المظاهرات وقتها، ولكن فيما بعد تدخّلت العديد من الدول وأولها تركيا وحرفت تلك الثورة عن مسارها، وبقيت البلاد في دوامة كبيرة من القتل والدمار والتهجير وأصبح المدنيون يدفعون الثمن باهظاً.
تآخي الشعوب رياضياً
من جانبها المناطق في شمال وشرق سوريا بدأت بتنظيم مدنها ومناطقها عبر إدارة ذاتية بثلاث مقاطعات هي الجزيرة وكوباني وعفرين بالعام 2014، ومن ثم توسعت لمدن أخرى بعد تحريرها والأهم في الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا هو روح التآخي السائدة بين شعوب المنطقة فيها، وفي الجانب الرياضي اليوم يعمل العربي والكردي والمسيحي جنباً لجنب بعيداً عن سياسة التهميش التي كانت ينتهجها حزب البعث العربي الاشتراكي في الرياضة السوريّة.
وفي 8/12/2024، سقط النظام البعثي في سوريا وفرَّ زعيمه بشار الأسد الرئيس السوري المخلوع إلى روسيا، واليوم في ظل الأحداث الجارية في سوريا يُتطلب من الجميع التوجه للغة العقل والحوار والابتعاد عن لغة العنف حتى نشهد سوريا جديدة للجميع مكانة فيها، وفي المجال الرياضي يُتطلب أن تدخل هذه الرياضة مرحلة جديدة ومغايرة تماماً عن السابق، وأن تكون بعيدة عن السيطرة عليها من أي طرف كان، ويتطلب أن تكون رياضة تجمع الجميع من الكرد والعرب والمسيحين وكافة الشعوب والأديان المتواجدة في البلاد، وأن يعملوا سوياً لإنشاء رياضة خالية من المحسوبيات والفساد مثلما كان إبان سيطرة حزب البعث الحاكم قبل سقوطه وحلّه بسوريا.




