حمزة حرب
في انتقالٍ سريعٍ عدّلت أنقرة سياستها، من الدعوةِ إلى التصالحِ مع النظامِ السوريّ السابقِ، إلى دعمِ سقوطه في محاولة لجني مكاسب على حسابه، واعتباراً من الثامن من كانون الأول 2024 بدأت دولة الاحتلال التركيّ تتحدث عن إعادة إعمار سوريا وبناء نظامٍ ماليّ ومصرفيّ وبناء جيش سوريّ جديد وطرق تجارة وتأسيس مراكز للأحوال الشخصيّة، واستثمار الموانئ وطباعة العملة السوريّة وترسيم الحدود والكثير من المشاريع، وكأنها تتعامل مع ولاية تركيّة وليس مع دولةٍ جارةٍ ذاتِ سيادة.
فمنذ اندلاع الأزمة السوريّة عام 2011، لعبت دولة الاحتلال التركيّ دورًا محوريًا في مسار الصراع، متأرجحة بين الدعم المباشر للتنظيمات الإرهابية والمجموعات المرتزقة، والتدخل العسكريّ المباشر، وأحياناً أخرى بالمساومات والمفاوضات السياسيّة مع الأطراف الإقليمية والدولية، لكنها وبعد سقوط النظام باتت تنتهج نهج الوصاية الشرعيّة على سوريا.
تركة ثقيلة تفتح شهية أنقرة
سقط النظام السوريّ تاركاً إرثاً ثقيلاً خلفه، وعلى رأس هذه التركة انهيارٌ كاملٌ أو شبه كامل لكلّ المؤسسات الخدميّة والإداريّة والتي خلفتها الحرب، التي استمرت لنحو 13 سنة، وهو ما كبّد الاقتصاد خسائر بلغت وفق أكثر المتفائلين 400 مليار دولار، ووصلت حسب مراكز أبحاث وتصريحات مسؤولين، لنحو تريليون دولار إذا تم احتساب خسائر تعطيل القطاعات ودمار البنية التحتيّة، وهو ما شكّل ذريعة جديدة للاحتلال التركيّ وبوابة مفتوحة على مصراعيها لتغلغل الاحتلال التركيّ في كلّ المفاصل التي من المفترض أن تُبنى من جديد. بين عامي 2012 ـ 2013، بدأت حملة سرقة معامل مدينة حلب وخاصة منطقة الشيخ نجار، وشهد عام 2013 وحده تفكيك ألف معمل، نُقلت جميعها إلى الأراضي التركيّة لتباع كاملة أو خردة، وتم تداول مقاطع مصورة لشاحنات تنقل المعامل السورية. وفي 22/4/2014، قبلت المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان في ستراسبورغ شكوى سوريّة ضد أردوغان، وكان حينها رئيس الحكومة التركيّة بتهمٍ بينها التورّط بتيسير سرقة معامل حلب والضلوع بتدميرِ البنية التحتيّة للاقتصاد السوريّ.
كان عدد المنشآت العاملة في مدينة حلب قبل الأزمة السوريّة 65 ألفاً، توفر فرص عمل لنحو مليون مواطن. ولا يقتصر وجودُ المعامل على منطقة الشيخ نجار الصناعيّة، بواقع 1500 منشأة صناعيّة كبيرة، بل تتوزع في بلدات خان العسل، وكفر حمرة وكفرناها، والمنصورة، والزربة، وكفر داعل، وبلغت نسبة الدمار فيها 80%. وبلغت خسائر القطاع الصناعيّ نحو 80 مليار دولار، حسب تقديرات المراقبين، ما زاد العجز التجاريّ، فتراجعت الصادرات من تسعة مليارات دولار إلى دون مليار دولار العام الماضي، ما أوقع البلاد بعجزٍ ماليّ واقتصاديّ، وفاقمت العقوبات المفروضة على النظام السابق الأزمة الاقتصاديّة لثقلَ كاهل السوريّين الذين عانوا الأمرين.
ونشر موقع Euronews تقريراً في 25/12/2024، بعنوان “حلب الشهباء.. كيف تحولت من قاطرة الاقتصاد السوريّ إلى مدينة مفلسة”، ونقلت عن موقع “نورديك مونيتور” السويديّ أنّ رجلَ أعمال مقرّب من أنقرة، يدعى مراد أوزفاردار، وتعمل زوجته مع الاستخبارات التركيّة، متهمٌ بتفكيك مصانع في حلب ونقل معداتها إلى تركيا عبر شركات يمتلكها.
وتوغلت دولة الاحتلال التركيّ في سوريا واحتلت تباعاً جرابلس عام 2016، والباب 2017، وعفرين 2018، وسري كانيه وكري سبيي عام 2019 وفرضت لغتها وعملتها، وهيمنت على تفاصيل الشؤون الإداريّة وحتى دوائر الأحوال الشخصيّة في عمليةِ تغيير ديمغرافيٍ ممنهج، وبات لها اليوم اليد الطولى في سوريا بأكملها.
ذكر تقييم أوليّ جديد للأثر الاجتماعيّ والاقتصاديّ أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائيّ، نُشر الخميس 21/2/2025، إنّ سوريا تحتاج عقداً من الزمن لتعودَ إلى مستوياتها الاقتصاديّة السابقة للحرب، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية للنمو البطيء، فقد يستغرق الأمر أكثر من نصف قرن.
ذكر تقرير للبنك الدوليّ أنّ الطرق وشبكات الكهرباء والمياه ومؤسسات خدميّة واقتصاديّة وتعليميّة وطبيّة، طالها الدمار الكليّ أو الجزئيّ ويحتاج إعادة تأهيلها وإعمارها نحو 120 مليار دولار مبدئيّاً، وذكر وزير خارجية سلطة دمشق أسعد الشيباني في تصريحٍ لصحيفة فايننشال تايمز البريطانيّة في 22/1/2025 أنّ ديون حلفاء النظام السابق إيران وروسيا تبلغ نحو 30 مليار دولار، وكشف عن خطةٍ لخصخصةِ الموانئ والمصانع المملوكة للدولة، ودعوة الاستثمار الأجنبيّ وتعزيز التجارة الدوليّة، وذلك في إطار ما سماه الإصلاح الاقتصاديّ لإنهاء عقود من الزمن كدولةٍ منبوذة بحسب زعمه، لكن مراقبين يرون أنّ هذه التصريحات اللافتة فتحت شهية دولة الاحتلال التركيّ للتغلغل في سوريا ومصادرة القرار فيها لتحقق أكبر استفادة ممكنة في أيّ استثماراتٍ مستقبليّةٍ، وهذه التصريحات تمهّد لتركيا التغلغل والهيمنة على هذه القطاعات الحيويّة.
حديقة خلفيّة لدولةِ الاحتلال
بعد سقوط النظام السوريّ استبشر السوريون خيراً لكن الآمال تلاشت، بعد زيارة رئيس سلطة دمشق الانتقاليّة إلى أنقرة ولقائه برئيس دولة الاحتلال التركيّ أردوغان في 4/2/2025، وناقشا تعزيز التعاون الدفاعيّ والاقتصاديّ بين البلدين وتضمنت المباحثات إنشاء قواعد جويّة تركيّة في وسط سوريا وتدريب الجيش السوريّ الجديد، ما يؤكد دوراً تركيّاً مهيمناً على الشأن السوريّ.
بالنظر للتاريخ الطويل من الاعتداءات التركيّة ودورها السلبيّ في سوريا، والتحولات في موازين القوى في سوريا وتراجع النفوذ الروسيّ والإيرانيّ بعد سقوط نظام الأسد، لن تتعامل تركيا مع سوريا على أنّها دولة جارة، ذلك لأنّ أنقرة ترى سوريا حديقة خلفيّة لها بكل المقاييس الاقتصادية، والسياسيّة، والعسكريّة، والاستخباراتيّة، وبوابة العبور إلى المنطقة العربيّة.
وتسعى دولة الاحتلال التركيّ إلى لعب دور محوريّ في إعادة تشكيل المشهد السوريّ بعد سنوات من الصراع ويطرح استمرار هذه المساعي، السؤال حول كيفية تأثير هذا التعاون على التوازنات الإقليميّة والدوليّة بالمستقبل، وهل هو تعاون يتسم بالندية بين دولتين أم حالة تبعية وهيمنة؟
في 24/12/2024 كشف وزير النقل والبنية التحتيّة التركيّ عبد القادر أورال أوغلو، عن مخطط لبدء مفاوضات لترسيم الحدود البحريّة مع سوريا في البحر المتوسط. في تكرارٍ مباشر لاتفاقية ترسيم الحدود البحريّة حكومة فائز السراج الإخوانيّة غربي ليبيا في 27/11/2019، والمفارقة أنّها تسعى لإضفاء الشرعية على نفوذها داخل سوريا في اتفاقات غير شرعيّة تتجاوز صلاحيات سلطة دمشق الحالية، والتي توصف بأنّها “مؤقتة”، إلا أنّ الاحتلال التركيّ يحاول التمسك مستقبلاً بمثل هذه الاتفاقات كما حصل مع حكومة فايز السراج رغم الضجة الكبرى التي ثارت ضده، وبمرور الوقت تحول الوجود التركيّ في ليبيا إلى أمر واقع سواء بالنسبة إلى الليبيين أو دول الجوار. لكن؛ السوريين يتخوفون وخصوصاً بعد أن تمّ الإعلان عن اتفاقٍ أمنيّ جديدٍ طفا على السطح بعد زيارة “الجولاني” إلى أنقرة وهذا يظهر مستوى التخطيط التركيّ في العلاقة مع المنطقةِ واستثمار الأزمات وتحويلها إلى فرصٍ، ومسارعة دولة الاحتلال التركيّ إلى اتباع سياسة “ملء الفراغ” الذي خلفته إيران، الداعم الأبرز لرئيس النظام السابق بشار الأسد في وقتٍ لا تزال فيه تحركات بعض دول الإقليم تراوح مكانها في التعاطي مع ما يجري في سوريا تاركةً الساحة مفتوحة أمام تركيا على صعدٍ عديدة أمنيّة وعسكريّة وسياسيّة وحتى اقتصاديّة.
اللافت أنّ إعلام دولة الاحتلال التركيّ والإعلام العربيّ الموالي له يجمّل الهيمنة التركيّة على سوريا، ويبشر بولادة محور “إسلاميّ سنيّ” بديل عن المحور الإيرانيّ وأنّه سيأخذ على عاتقه مهمةَ مواجهة إسرائيل، ويروجّون لمخاوف إسرائيليّة من هذا المحور. وأنّ العلاقة بين تركيا وإسرائيل باتت أقربَ إلى صراعٍ “خفي”، وتنافسٍ على “الهيمنة الإقليمية”.
أطماع اقتصاديّة
لا تقتصر أطماعُ دولةِ الاحتلال على السيطرة عسكريّاً وسياسيّاً، بل لديها مصالح اقتصاديّة كبيرة وتسعى جاهدة ليكون لشركاتها حصة الأسد من مشاريع الاستثمار وإعادة اعمار سوريا والتي من المؤمل لديها أن يضخّ المجتمع الدوليّ ودول الخليج الأموال فيها.
ومع الحاجة إلى بناء مدن بأكملها، ومستشفيات، ومدارس وبنى تحتيّة، تسارع دولة الاحتلال التركيّ إلى ترتيب أوراقها وإجراء لقاءات متواصلة في أنقرة وإسطنبول لتنسيق جهود عمل شركاتها داخل سوريا وذلك بحسب ما كشف عنه موقع بلومبرغ الأمريكيّ نقلاً عن مصادر، وهذا ما يؤكد أنَّ دولة الاحتلال تسعى جاهدة للهيمنة الاقتصاديّة على سوريا.
كما أن إعلام دولة الاحتلال ينشر دعاية متواصلة يستعرض من خلالها قدرة أنقرة على إصلاح مطارات سوريا، وشبكات الطاقة والاتصالات بسرعة، مع إعادة بناء وحدات الإسكان والبنية التحتيّة، وهو ما يسهّل عليها وضع سوريا على خط الترانزيت والعبور لآلاف الشاحنات التركيّة المحملة بالطعام والدواء ومواد البناء يوميّاً عبر الحدود نحو دول الخليج العربيّ الذي يُعتبر بالنسبة لأردوغان سوقاً ضخمة لبضائعه.
علاوة على ذلك وبحسب أرقامٍ رسمية كشف عنها رئيس جمعية الشحن والخدمات اللوجستيّة التابعة لدولة الاحتلال التركيّ بيلجيهان إنجين أن الصادرات خلال الشهر الأول من العام الجاري شهدت ارتفاعاً في سوق المعدات التركيّة إلى سوريا 244%، في حين قفزت صادرات الإسمنت والزجاج والسيراميك 92%، وزادت صادرات المعادن 73% كما زادت صادرات الفاكهة والخضروات بأكثر من ثلاثة أضعاف.
منوهاً إلى أن هذه الأرقام كانت من الممكن أن تتجاوز إجماليها ستة مليارات دولار لو لم تتأثرِ التجارة بالتطوراتِ في سوريا خلال الأعوام التي شهدت فيها سوريا أزمة دامت لما يقارب 14 عاما، لكنها قد تصل إلى هذا المستوى في غضون عامين إلى خمسة أعوام.
بينما شدد ما يسمى برئيس مجلس الأعمال التركيّ السوريّ، إبراهيم فؤاد أوزجوريكجي، أنّ تركيا تهدف إلى وصول حجم التبادل التجاريّ إلى عشرة مليارات دولار على المدى المتوسط يأتي هذا في وقتٍ كشفت فيه وزارة التجارة التابعة للاحتلال التركيّ في تصريحاتٍ رسميّة أدلت بها عقب الزيارة التي أجراها رئيس سلطة دمشق المؤقتة إلى أنقرة بأنّ “السلطات السوريّة والتركيّة اتفقتا على بدء محادثات لإحياء اتفاقية تجارة حرة وزيادة التعاون في مجالات النقل والمقاولات والاستثمار في أنحاء سوريا”.
وبناءً على هذه الأرقام وهذا التوجه الرسميّ يتبين للقاصي والداني حجم هيمنة دولة الاحتلال التركيّ، ونواياها القائمة على استنزاف السوريّين والعبث بمستقبلِ بلادهم ومقدراتهم، ولذلك فإنّ السوريّين اليوم أمام محطة هامة من تاريخ بلادهم وما يجري على الأرض من السلطات الحالية في دمشق ما هو إلا كسبٌ للوقت وتمرير المخططات المشبوهة التي يراها السوريون أنها لا تصب في صالح سوريا ولن تحقق لها الحرية المنشودة والتي قدم لأجلها الغالي والنفيس طيلة أعوامٍ مضت.
وجود أمنيّ وعسكريّ
تأخذ الهيمنة بعداً أكثر خطورة مع وجودٍ أمنيّ تركيّ على الأراضي السوريّة، وتفيد مصادر من العاصمة دمشق أنّ الفندق الشهير وسط العاصمة دمشق “الفور سيزون” بات مقراً لاستخباراتِ الاحتلال التركيّ “الميت” تقوم بالإشراف على الوضع الراهن والتحركات السياسيّة والاقتصاديّة والدبلوماسيّة التي تُجريها سلطة دمشق الجديدة.
وقيامه بعمليات اعتقال، فقد أعلنت وزارة داخلية دولة التركيّ الأربعاء 19/2/2025، إلقاء القبض على شخص نشر منشورات مسيئة عن رئيس دولة الاحتلال التركيّ أردوغان بعد توجهه إلى سوريا. وقالت الداخلية التركيّة في بيان لها: “في التحقيق الذي أجراه قسم مكافحة الجرائم الإلكترونيّة لدينا، تبين أن الشخص الذي نشر منشورات مسيئة “لرئيسنا” على وسائل التواصل الافتراضي هو T.G””، البالغ من العمر 49 عاماً. وأضافت أن رئاسة “مكافحة الجرائم الإلكترونيّة بدأت إجراءات قانونيّة بحق 97 حسابًا قاموا بمشاركة المحتوى المذكور، وتم حجب جميع هذه الحسابات بقرار من المحكمة”. ولم يصدر أيّ تعليق رسميّ من جانب سلطة دمشق على الحادثة”.
ومما يزيد من تكريس الهيمنة التركيّ، أنّ العديد ممن تم تعيينهم في مناصب إداريّة وسياسيّة في سوريا موالون لأنقرة، بعضهم حاصل على الجنسية التركيّة، أو كان مقيماً فيها لسنواتٍ، وعلق رئيس حزب المستقبل التركيّ، أحمد داوود أوغلو، على تعيين عزام غريب، خريج الماجستير من جامعة بينغول التركية، في منصب محافظ حلب، نشرها عبر وسائل التواصل الافتراضي. فقال: “هل سيتجرأ السياسيون المحرضون الذين حاولوا طرد السوريين من الجامعات، وقطع المياه عن منازلهم، ونقلهم عبر الحافلات إلى ما وراء الحدود، على تقديم اعتذار؟”. وأضاف: “فليزوروا حلب ويشربوا القهوة التركيّة التي سيقدمها لهم الوالي الجديد، الذي سيرحّب بهم بلغة تركيّة جميلة”.
وبعد هيمنة دولة الاحتلال التركيّ على القرار العسكريّ في سوريا باتت تسعى لتلميع صورة مرتزقتها الذين فرضت على السلطة الانتقاليّة ضمهم للجيش ومنحهم رتباً عسكريّة، وكان منح التركيّ عمر محمد جفتشي رتبة عميد في الجيش السوريّ، تأكيداً على وجود أتراك في سوريا، فيما معظم متزعمي الجماعات المرتزقة حاصلون على الجنسيّة التركيّة وتم منح بعضهم رتباً عسكريّة رفيعة أيضاً، دون كفاءة، إلا ليشكّل ذلك مظلة لهم للإفلات من العقاب والسعي لإعادة تعويمهم.




