شرفان روكن
الذكريات تاريخ يسير معنا كلما تجدد يدفع الجديد إلى المستقبل، من تحجرت ذكرياته تحجر مستقبله، فالحياة تسير بالذكريات ومن دون الذكريات لا يمكن معرفة التاريخ، ولا يمكن خطو خطوة إلى الحاضر.
أصحاب الذكريات بإمكانهم إظهار المقاومة الحقيقية ويستطيعون المسير، إذا كان تعريفنا لذكريات المجتمع بأنها تمثل وجدان وأخلاق المجتمع، أي إن الأخلاق والوجدان هما ذكريات المجتمع ومن دونها لا يمكننا تعريف المجتمع، ومن دون الأخلاق والوجدان لا يمكن للمجتمع العيش، ومنه كل فرد في المجتمع، إذا قال أنا إنسان أحيا فمعناه أنه صاحب ذكريات (تاريخ)، من قلت ذكرياته قلت إنسانيته، قلت ثقافته، وما الحروب التي تشنها الأنظمة الحاكمة على المجتمع وعلى الإنسان جميعها تهدف إلى إنهاء ذكرياته، وجعله دون ذكريات، فالذكريات تاريخه والإنسان الذي عاش دون ذكريات هو يعيش دون تاريخ، أو لنقل تاريخه ناقص، والأنظمة كما تفرض نفسها على المجتمع، لشل تاريخها، تفرض نفسها على الفرد، لقتل ذكرياته وشل حريته، بفرض الموت على ذكرياته، وجعل الإنسان الفرد دون ماضٍ، ومن انتهاء ماضيه وجوده الحاضر، فمن دون الماضي، لا يمكن معرفة أو التعمق والتشبث بالحاضر أو الاتجاه إلى المستقبل، فالمستقبل المصنوع في أفكار الأنظمة المتحكمة، تشل المجتمع والفرد، وتجعله تائهاً عن الحقيقة، تائهاً عن ذاته الكونية.
كل ما ذكرناه هو نقطة لفهم ما يجري حولنا، وما نحتاجه لتعمق في ذكرياتنا لكي نستطيع تخليد الأشخاص الذين سطروا ملاحم البطولة بدمائهم، فهم نقطة من بحار ذكريات مرت على هذه الأرض التي نسميها “ميزوبوتاميا أو كردستان” وكل من ذكر ذكرياته، كان يتعمق في ذاته، ويرغب في سرد حريته المتشبثة بأرضه، تاركاً نفسه تلج عباب الحقيقة، في البحث عن الذات وحقيقتها المخبئة في أعماق هذه الأرض وهذا الشعب، وخاصةً، الذين كانوا منارة للشعوب الذين ناضلت ضد الطغاة للتحرر من نير العبودية والوصول إلى بر الأمان والاستقرار، وجعلوا أنفسهم جسراً للوصول للحرية.
الشهيد “سرحد” رمز الشبيبة والروح الفدائي الذي لا يعرف الصعاب، بسمة لا تفارقه وضحكة لا تعترف بالكلل والملل من واجباته تجاه رفاقه، ولا تقل من رفاقيته المكتسبة من المدرسة الأوجلانية، فدائياً في نضاله، معلم في تعليمه للرفاقية الآبوجية، إنها هيبة لكي نتحد معها، ومن الواجب علينا أن ندمج روحنا معه، علينا أن نكتشف سر هذه الكلمة المخفية في حقيقة حزب العمال الكردستاني، علينا أن نعرف بأن الكلام فقط لا يمثل الحياة، فهناك لغة ما بعد الكلمات لم نكتشفها بعد، إنها ألف باء الفدائية التي أثمرته زيلان، وأيضاً لها لغتها التي يجب أن نتعلمها، أو يمكن سيتطلب فهمها أن نتحد معها. فهو الآن يلمع في السماء، يظهر كل ليلة لكن يده مازالت مرفوعة في ذاكرتي، استشهد لأنه كان يعشق الحياة، يناضل في سبيلها، لذلك فهو لم يمت وإنما زين الحياة بروحه التي حولها إلى مشعل على طريق الإنسانية، أي أنه استشهد والشهداء أحياء لا يموتون، لأنهم يخلقون حياة جديدة، فهم يقصدون الحياة الحرة بشهادتهم.
وجرت العادة أن يقف الأشخاص أو فئات من الشعب وراء مسيرة، أو انتفاضة ما لدفعها وسيرها إلى الأمام، ولكن ما حدث في يوم الخامس عشر من شباط في الذكرى السنوية 26 لاستنكار المؤامرة التي طالت القائد “عبد الله أوجلان” هو طمس صوت الحقيقة مرة أخرى، أظهر إلى الوسط حقيقة جديدة وأطاح بالحتميات السابقة عرض الحائط، فقد هبت عواصف كردية على شكل مسيرات وانتفاضات احتجاجية، ضاربة كل من يقف في وجهها في البلدان والعواصم العالمية، وكان وقعها في أجزاء كردستان قوياً جداً وأعاصيرها شديدة الوقع، ولا يمكن لأية قوة صدها والوقوف في وجهها.
الشهيد “عكيد روج” أيقونة الحرية وصوت شعب ناضل من أجل تحرر البشرية من سلاسل العبودية بأواصر وفلسفة أوجلانية، في ذلك اليوم كنت شاهداً لمقاومة شعب يناضل في وجه من يحاول اغتصاب أرضه وكرامته، لكن الأيادي السوداء لم تمتلك نفسها أمام تلك الحقيقة، التي كنت تنقلها من خلال عدسة كانت بين أياديك التي اعتادت أن تحمل بين كفيها سلاحاً تقاتل من أجل الحرية في خنادق المقاومة، لتكون عيناً لتلك الحقيقة من حضن حلب رمز الحرب الثورية، أو من سفوح جبال كرمانج التي ناضلت في وجه من اغتالتك لـ 58 يوماً، إلى مقاومة سد الشهداء التي كانت المحطة الأخيرة، التي غادرت فيها عنا، أو ليست هذه الحقيقة هي الحقيقة الأوجلانية، التي كنت تائهاً بين جدائلها من أجل أمة ديمقراطية في زمن تسوده الإمبريالية والرأسمالية.




