الشدادي/ حسام الدخيل ـ حوّل شباب الشدادي شهر رمضان إلى منصة للتضامن، والتكافل الاجتماعي من خلال القيام بمبادرة دعم الأسر الفقيرة بمواد غذائية.
مع حلول شهر رمضان المبارك، تزداد مظاهر التكافل الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية، حيث تتحول القيم الروحية إلى أفعال ملموسة تدعم الفئات الأكثر احتياجًا. وفي هذا الإطار، برزت في السنوات الأخيرة مبادرات شبابية مبتكرة تُعنى بتوزيع السلال الغذائية على العوائل الفقيرة، كجزء من مسؤولية اجتماعية تجسد روح الشهر الكريم. هذه المبادرات، التي يقودها شباب متطوعون من مختلف التخصصات والخلفيات، لم تُخفف فقط من معاناة الأسر، بل أعادت تعريف دور الشباب في بناء المجتمعات في العمل التطوعي المنظم.
رمضان وشعلة التضامن
شهر رمضان محطة سنوية لتعزيز قيم العطاء، حيث تُدفع زكاة الفطر، وتنتشر الصدقات، وتتنافس المؤسسات والأفراد في أعمال الخير. لكن ما يميز المبادرات الشبابية، اعتمادها على التخطيط الاستراتيجي والتكنولوجيا الحديثة لتحقيق أكبر أثر. فبينما تركز الجهود التقليدية على التبرعات العينية، تعمل هذه المبادرات على دراسة الاحتياجات بدقة، مثل تحديد المناطق الأكثر فقرًا، واختيار المواد الغذائية الأساسية، التي تستخدمها الأسر بشكل يومي، مثل الأرز، والسكر، والزيت، والبقوليات، بالإضافة إلى مواد تخزين طويلة الأمد.
في مدينة الشدادي جنوب الحسكة، حيث تُخيم آثار سنوات الحرب على كل تفصيل، يأتي شهر رمضان المبارك حاملًا معه بصيص أمل جديد. هنا، تتحول القيم الروحية إلى شريان حياة للأسر المحتاجة، في مبادرات شبابية محلية تسعى لتوزيع السلال الغذائية، لترسم نموذجًا للتكافل الاجتماعي الأصيل.
رمضان بين ندوب الحرب ودفء العطاء
ويقول بسام الأسعد (٣٥) عاماً، وهو أحد منسقي هذه المبادرات: “رغم أن الحرب أنهكت موارد المدينة، وغالبية السكان يعانون من تبعات الأزمة الاقتصادية، إلا أن شبابها يحولون رمضان إلى منصة للتضامن. فبينما تعاني العديد من الأسر من نقص الغذاء بسبب تدهور القطاع الزراعي وارتفاع الأسعار، تنبثق مبادرات لسد حاجة بعض الأسر المتعففة في الشهر الكريم”.
تعتمد هذه الحملات على توفير مواد أساسية كالأرز، والطحين، والزيت، والبقوليات، مع إضافة مواد تتناسب مع العادات الغذائية للمنطقة.
ويضيف: “عملنا تطوعي بحت، حيث اجتمع مجموعة من الشباب، وتم الإتفاق على جمع قرابة ٢٥٠ سلة غذائية لتوزيعها على عوائل الأيتام والأسر المتعففة، ولاقت هذه المبادرة استحسان المجتمع المحلي، حيث كلٌ قدم المساعدة على قدر استطاعته، وقبيل سحور اليوم الأول من رمضان تم توزيع هذه السلال على جميع الأسر المستهدفة”.
وأشار عبود التركي (٢٥) عاماً، إن المتطوعين وضعوا نظامًا لجمع التبرعات في مجموعات “واتساب” محلية، كما تعاون الشباب مع بائعي السوق الصغير لتأمين المواد بأسعار مخفضة، فيما تولى باقي الفريق تغليف السلال وتوزيعها.
وأكد التركي على إن المبادرة مستمرة حتى نهاية شهر رمضان المبارك، وأنهم سيواصلون عملهم لتقديم ما يمكن تقديمة لهذه الأسر، كما دعا أبناء المنطقة عموماً لدعم مثل هذه المبادرات لسد احتياجات الأسر الفقيرة وللوصول إلى أكبر عدد من العوائل المتعففة.
وأوضح بأن الهدف منها هو تعزيز مبدأ التكافل الاجتماعي في هذا الشهر الفضيل، وليكون شهر رمضان هو شهر الخير على الجميع دون استثناء.
فيما تروي أم علي نازحة من ريف دير الزور، وإحدى المستفيدات من المبادرة: “السلة الغذائية لم تُطعم أطفالي فحسب، بل أعطتني شعورًا بأن هناك من لا يزال يتذكرنا في هذا الزمن القاسي”.
رغم أن مبادرات شباب الشدادي قد لا تغطي كل الاحتياجات، إلا أنها تشكل مقاومة سلمية ضد اليأس، وإثباتًا أن روح التضامن لا تُقهَر. فهذه السلال ليست مجرد مؤن غذائية، بل رسالة أمل تُذكر الأسر بأنهم جزء من نسيج مجتمعي ما زال حيًا في مدينة عانت من ويلات الحرب، يصنع الشباب بطولات صغيرة تكرس معنى، أن الإنسانية أقوى من كل الدمار.




