في قلب البادية، حيث تلتقي رياح الصباح بنسمات الأمل، يسير “خضر الكنج” مع أغنامه في رحاب الأرض الواسعة، لا شيء يرافقه في تلك الرحلة الطويلة سوى قلبه المفتوح للطبيعة، وصوت الناي الذي يخرجه من بين شفتيه لينقله إلى عالم آخر.
في قلب ريف مدينة الهول في مقاطعة الجزيرة، التي تمتاز بمساحاتها الواسعة، كان “خضر الكنج” يقطع المسافات الواسعة من السهول وهو يرعى أغنامه، تلك الأغنام التي كانت أكثر من مجرد قطعان، بل كانت مرافقه الصامت في تلك الوحدة التي يختارها طوعاً، ولكن ما يجعل الكنج شاباً غير عادي ليس فقط عمله في رعي الأغنام، بل تلك الرفيقة العجيبة التي يطبع أنامله على جسدها في كل لحظة، وهي “الناي”.
الناي.. ليس مجرد آلة
الناي، تلك الآلة الموسيقية التي تخترق صمت الطبيعة بصوتها الشجي، كانت لخضر الكنج أكثر من آلة، فهي شريكه في كل لحظة هدوء، وهي صوته الذي لا يسمعه سواه، وصوت الرياح في السهول الممتدة على مرمى النظر، حيث اختارها ليقضي بها أوقاته في عزلة العمل، فبينما كان يرعى الأغنام في المراعي الممتدة، كانت نغمات الناي تطلق عبيرها في الهواء، متحدثة عن هدوء الروح ورفيقته الطبيعية.
وفي الصدد، قال الشاب “خضر الكنج“: “كنت أرى في الناي ليس آلة موسيقية فحسب، بل شريكا ثانيا في وحدتي، فقد كان خرطوم البلاستيك أول شيء جربت العزف عليه، ثم بدأت أتعلم على قصبة مجوفة، كنت أرى في ذلك سراً لا يفهمه غيري، ربما لأنه كان يرافقني في اللحظات التي لا يوجد فيها أحد، كان الناي في تلك الأوقات ليس أنغاما، كان مرآتي التي أرى فيها روحي”.
وبدأت أولى محاولاته وهو في عمر 11 عاماً، حيث كان يتبع خطوات أجداده الذين كانوا قد تعلموا العزف على الناي وأتقنوا لحنه، كما يتنفسون الهواء.
ورغم قلة الأدوات المتاحة، فإنه استطاع أن يطور مهاراته بشكل مذهل ليعزف على الناي ببراعة كبيرة، ويقدم نغمات تجعل الزهور تنمو بين آذان من يستمع إليها.
ولا يتوقف الأمر هنا، فهو لا يعزف فقط، بل يغني أيضاً، وتلك الأغاني التي تعكس سحر الريف وهدوءه لا تقتصر على الكلمات فقط، بل تنبض بها روحه المنسجمة مع الحياة التي اختار أن يعيشها.
وكان الكنج، لا يكتفي بموسيقا الناي، بل كان يعزف ليعلم أصدقاءه وأبناء قريته تلك المعزوفات التي تنبع من قلبه، والتي كانت تحكي قصص الطبيعة والحياة البسيطة التي لا تنتهي. وفي كل مساء، وبعد أن ينتهي من عمله، كان يتجمع حوله أصدقاؤه في دائرة صغيرة، يستمعون إلى أنغام الناي وغنائه، يمزجون الفرح بالصوت والعزف، ويشعرون بأنهم جزء من تلك اللوحة الطبيعية التي يرسمها على أرضه.
ومع ذلك، لم يكن الكنج فقط فناناً يعزف على الناي ويغني للحياة، بل هو أيضاً مربي للمواشي والأبقار، يعشق العمل في الأرض ورعاية الحيوان. تربية المواشي ليست مهنة له، بل هي حياة تتناغم فيها الطبيعة بتفاصيلها. وكل لحظة يقضيها في رعاية الأغنام والأبقار هي لحظة يتجسد فيها التواصل العميق بين الإنسان والمخلوقات، وبين الإنسان والأرض.
فالناي عنده ليس آلة موسيقية، بل هو وصلة عاطفية بينه وبين الأرض، بينه وبين الطبيعة، وبينه وبين الأجيال التي سبقته. يراها ميراثاً ثقافياً توارثه عن أجداده، وقد أصبح اليوم جزءاً من هويته الخاصة. وليس قطعة خشب مجوفة، بل هو روح تتنفس من قلبه وتترجم حياته.
وفي حياته البسيطة تلك، ما يزال “خضر الكنج”، يعيش كما لو أنه جزء لا يتجزأ من الطبيعة، يعزف على الناي كما تعزف الرياح على أوراق الشجر، ويرتبط بالحيوانات كما يرتبط الإنسان بعالمه الداخلي، ربما لهذا السبب أصبح محطّ إعجاب كل من حوله، فهو لا يعزف فقط للآخرين، بل يعزف للروح، وللطبيعة، وللزمان الذي لا يكتمل إلا بنغمات الناي.
وكالة هاوار للأنباء




