حين قررت طائرات الاحتلال التركي استهداف المحتجين على سد تشرين، لم يكن “عبد الصمد عيسى” يتوقع أن يكون شاهداً على واحدة من أكثر لحظات الإجرام التركي في حياته، وسط الركام والدخان، كانت روحه أقوى من الجراح، وعزيمته لم تهتز رغم الألم، “سأعود بمجرد شفائي”، يقولها بثبات رجل خبر الموت لكنه لم يخضع له.
في حي تل حجر بمدينة الحسكة، حيث تجتمع حكايات الماضي والحاضر، يعيش “عبد الصمد عمر عيسى”، المعروف بحجي عبد الصمد، رجلٌ من قرية كرمير التابعة لمدينة عامودا، من عشيرة بادينا، وُلد في أسرةٍ كبيرة تتألف من خمس بنات، وأربعة أبناء، في ظل ظروف مادية صعبة بعد وفاة والده في صغره، وكان قد ترك مقاعد الدراسة ليكافح من أجل لقمة العيش، إلا أن حياته أخذت منحى آخر عندما بدأت ثورة روج آفا
من قريته إلى قلب الحسكة.. بدايات النضال
وانتقلت عائلة حجي عبد الصمد إلى مدينة الحسكة عام 1970، لتقيم في حي تل حجر، لم يكن يعلم آنذاك أن هذا الحي سيشهد الكثير من التغيّرات، وسيكون جزءاً من قصة نضاله عام 2012، ومع اندلاع ثورة روج آفا، كان من بين المؤسسين الأوائل لمجالس الأحياء، التي جمعت شعوب المنطقة من الكرد، والعرب، والسريان.
وبعدها، في عام 2013، شارك في تأسيس الكومينات في أحياء المدينة، لتتحول هذه الهياكل التنظيمية إلى أساس لحماية المجتمع وتنظيمه في مواجهة التحديات الأمنية التي بدأت تهدد المنطقة. مع بداية تأسيس قوى الأمن الداخلي ووحدات حماية الشعب، كان حجي عبد الصمد ورفاقه يحمون الأحياء ليلاً بالعصي أو بمسدس بسيط، يقفون على الحواجز ويفتشون السيارات، لتأمين الحي من هجمات المجموعات المرتزقة على اختلاف مسمياتها، والتي ظهرت خلال سنوات الأزمة السورية.
دار الشعب.. مركز النضال والمقاومة
وفي حي تل حجر، ساهم حجي عبد الصمد في تأسيس أول دار للشعب، والتي أصبحت نقطة محورية لتنظيم المجتمع وتنسيق الجهود لحماية الحي. تولى إدارة هذا المركز بنفسه، وظل يعمل ليلاً نهاراً، وفي المساء كان يشرف على حاجز التفتيش بجوار المركز.
ومع تصاعد الهجمات على روج آفا، كان حجي عبد الصمد من أوائل المنضمين إلى الحركات والقوى التي تشكلت في المدينة، وشارك في الدفاع عن المنطقة من الهجمات التي شنتها مرتزقة داعش ودولة الاحتلال التركي. لم يكن النضال بالنسبة له مجرد واجب، بل أسلوب حياة.
الجرح الأول.. مواجهة الموت في حي تل حجر
وفي عام 2014، زرعت مرتزقة داعش عبوة ناسفة أمام مركز قوى الأمن الداخلي في حي تل حجر. انفجرت العبوة، وأصيب حجي عبد الصمد بجروح خطيرة، فيما استشهد رفيقه دجوار، الذي أُطلق اسمه لاحقاً على مزار الشهداء في مدينة الحسكة. لم تكن هذه الإصابة سوى البداية في سلسلة من الجروح التي تعرض لها على مدار سنوات النضال.
سري كانيه.. خيمة المقاومة
وعندما شنت المرتزقة هجماتها على مدينة سري كانيه أواخر عام 2012 وبدايات عام 2013، كانت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة تقود حملة تحرير المنطقة. في تلك الأوقات العصيبة، نصب حجي عبد الصمد خيمة في قرية مريكيس، وظل فيها يقدم الدعم اللوجستي للقوات، ينقل المساعدات ويشد من عزيمة المقاتلين.
سبع إصابات متتالية
وتعرض حجي عبد الصمد للإصابة أكثر من سبع مرات خلال مشاركته في الحملات، التي خاضتها وحدات حماية الشعب ضد مرتزقة داعش ودولة الاحتلال التركي. وكانت إصابته الأخيرة على سد تشرين، عندما انضم إلى قافلة شعوب مقاطعة الجزيرة لحماية السد من هجمات الاحتلال التركي. في ذلك اليوم الـ 22 من كانون الثاني 2025، قصفت طائرات الاحتلال التركي تجمع المدنيين المحتجين، وأصيب حجي عبد الصمد بجروح عديدة في مختلف أنحاء جسده.
شهادة حية من سد الشهداء
ويروي حجي عبد الصمد تلك اللحظات: “رأيت بأم عيني قصف الطيران التركي تجمع المدنيين على سد تشرين، لم يكن الأهالي يحملون أي سلاح، جاؤوا فقط لحماية السد، كنت أسمع أصوات الانفجارات وأشعر بحرارة النيران، لكنني لم أتراجع، فقد أصبت في أنحاء مختلفة من جسدي، وما زلت أتلقى العلاج حتى الآن”.
ورغم جروحه، بقيت روحه المعنوية عالية، وندد بهجمات الاحتلال التركي على المدنيين العزّل. طالب حجي عبد الصمد جميع الكرد بتوحيد صفوفهم للحفاظ على مكتسبات ثورة روج آفا، مؤكداً أن هذه الثورة ليست مجرد مقاومة مسلحة، بل إرادة شعب يسعى نحو الحرية.
العودة إلى النضال.. وعد لن ينكسر
وفي ختام حديثه، أكد “عبد الصمد عمر عيسى” أنه سيعود مجدداً إلى سد تشرين، لينضم مرة أخرى إلى قوافل شعوب إقليم شمال وشرق سوريا المتجهة لحماية السد من هجمات الاحتلال التركي.
“سأعود بمجرد أن أتعافى من إصاباتي، نحن لن نتخلى عن نضالنا. لقد رأينا الموت بأعيننا، لكننا لم نخف، لأننا نؤمن بأن هذه الأرض تستحق أن نضحي من أجلها، وأن دماءنا هي ثمن الحرية التي ننشدها”، بهذه الكلمات، لخص حجي عبد الصمد رحلته في النضال، قصة رجلٍ لم ينكسر أمام التحديات، ولم يتراجع رغم الجراح، بل ظل متمسكاً بحلمه في حماية أرضه، وحماية إرث الثورة التي آمن بها منذ بدايتها.




