صلاح الدين مسلم
منذ أن استهدفت تركيا سد تشرين، اتخذت هذه الحرب طابعاً عبثياً يتجاوز المنطق العسكري والسياسي. فالهجمات التركية، التي استهدفت السد والمنشآت الحيوية المحيطة به، لم تكن سوى تكريس لنمط مُدمّر تعتمده أنقرة في محاولاتها المستمرة لضرب الاستقرار في شمال وشرق سوريا، لكن المفارقة أن هذه الحرب لم تحقق أي نتائج تُذكر، بل على العكس، تحوّلت إلى ساحة استنزاف ميداني وسياسي لأنقرة، حيث تكشّفت هشاشة خططها أمام المجتمع المتآخي الذي استعاد عافيته.
ولم يكن المشهد الميداني أقل عبثية من المشهد السياسي، فقد وجدت المجموعات المرتزقة المدعومة من تركيا، التي طالما تباهت بقدرتها على تحقيق انتصارات سريعة، نفسها في وضعٍ لا تُحسد عليه، أمام هذه المقاومة المنظمة والمتقنة التي أفشلت كل محاولات التقدم التركي ومرتزقته، ممّا جعل المرتزقة يواجهون واقعاً جديداً لم يعتادوا عليه؛ هزائم متتالية وفقدان للسيطرة.
لم تكن “صفعة السد” مجرد نكسة عسكرية، بل كانت انهياراً نفسياً ومعنوياً لهذه المجموعات التي لطالما اعتمدت على دعمٍ عسكري تركي مفتوح، ولكن، ومع استمرار الفشل، بدأ هذا الدعم يتراجع تدريجياً، حيث لم يعد الجيش التركي قادراً على تحمّل المزيد من الخسائر في معركة لا يحقق فيها أيّ مكسب حقيقي.
في خضم هذه التطورات، واصل الرئيس التركي أردوغان ممارسته لما يمكن وصفه بـ”الهذيان السياسي”. فبينما كانت قوّاته تتراجع، كان يصرّح بانتصارات وهمية لا وجود لها إلا في خطاباته النارية، حيث بدا الرجل وكأنه يقاتل، ليس فقط من أجل مشروعه الإقليمي، بل من أجل بقاء نظامه المتآكل الذي يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة.
لقد تحوّلت تصريحات أردوغان إلى ما يشبه التناقض المستمر، وكأن لسان حاله يقول: “لن أعترف بالهزيمة حتى إنْ كانت واضحة للجميع”. ومع ذلك، فإنّ الحقائق على الأرض لا يمكن إنكارها.
لم يكن سد تشرين مجرد منشأة استراتيجية، بل أصبح رمزاً للهزيمة التركيّة في سوريا، ورمزاً للمقاومة المجتمعيّة أمام طيش الدولة التركيّة، فمنذ بدء الحرب على هذا السد، تحوّل إلى عقدةٍ نفسيّة في تفكير القيادة التركية، التي أضحت تدرك جيداً أنها لن تستطيع السيطرة عليه، ومع ذلك، لا يزال النظام التركي يحاول تسويق فكرة “الانتصار الإعلامي”، متجاهلاً أن الوقائع على الأرض تثبت العكس تماماً.
لم يكن مشروع الأمة الديمقراطية في شمال وشرق سوريا مجرد عائق عسكري أمام تركيا، بل كان تحدياً سياسياً وفكرياً لمشروع الهيمنة الذي يسعى أردوغان إلى فرضه، فبينما يعتمد النظام التركي على الفوضى والمرتزقة والمناورات السياسية، فإن المنطقة التي تحاول أنقرة إخضاعها تبني نموذجاً مختلفاً تماماً، قائماً على إرادة الشعوب والإدارة الذاتية.




