حمزة حرب
لم تعد سياسة دولة الاحتلال التركيّ خافيةً على أحد ولم يعد بإمكانها أن تُغطي الحقائق بغربال التضليل، فعداؤها للشعبِ السوريّ ولمكوناته المتعايشة بات واضحاً وضوحِ الشمس الساطعة، لكنها استغلت مبكراً الحراك المناهض للنظام السوريّ وكانت عاملاً أساسيّاً في تحويله إلى نزاعٍ طائفيّ، وأسست مجموعات مسلحة حوّلت عناصرها إلى مرتزقة للقتال وفق أجندة أطماعها ومصالحها داخل سوريا وخارجها، وتسعى اليوم لترسخ وجودها في سوريا.
لدى الحديث عن قصة المرتزقة السوريين تتبادر إلى الأذهان الوجهتان البارزتان للارتزاق فيهما طيلة السنوات الماضية وهي الساحة الليبيّة وساحة إقليم آرتساخ الذي تنازعت عليه أذربيجان وأرمينيا، وتشهد هاتان الساحتان على تورط المرتزقة السوريين بالقتال فيهما.
رحلة الارتزاق
ما أن سيطر الاحتلال التركيّ على قرار من سمّوا أنفسهم بالمعارضة بادروا إلى حرف بوصلتهم من مقارعةِ النظام السابق إلى تحويلهم لأدواتٍ لتحقيق أجنداته داخل سوريا وخارجها أولى رحلات الارتزاق التي نفّذها الاحتلال التركيّ كانت داخلياً حين استخدمهم أدوات لضرب السوريين بعضهم البعض وذلك من خلال خلق ودعم وتدريب والإشراف على مرتزقة داعش الإرهابيّ بعد ان أغرق البلاد بالإرهابيين.
ومع تصاعد المواجهات وتقاطع المصالح التركيّة في عددٍ من الدول حوّلت هؤلاء السوريين إلى بنادقٍ مأجورة للقتال في الخارج بعد أن هيئت كل ظروف الارتزاق مع انتهاء مرتزقة داعش ودحرهم على يد قوات سوريا الديمقراطية حول الاحتلال التركيّ المجموعات التي ترتهن لقراره وتُلبي تطلعاته إلى مرتزقة عابرين للحدود فبعد أن احتلت مناطق عدة من سوريا على رأسها عفرين وسري كانيه وكري سبي دفعت مرتزقة ينتمون للمجموعات الإرهابيّة على رأسها السلطان مراد وفق اتفاق مع حكومة الوفاق السابقة برئاسة فائز السراج، لصد هجوم قوات الجيش الوطنيّ على طرابلس، عام 2019 ومنذ توقف الحرب بقيت هذه القوات على حالها. ليبيا كانت على رأس قائمة الوجهات التي قصدها آلاف «المرتزقة السوريين» التابعين لتركيا والتي تحتفظ إلى الآن بالعديد من السوريين المرتزقة في معسكرات وقواعد عسكريّة بالعاصمة طرابلس منذ التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في 23/10/2020، رغم أنّ الاتفاق ينصُّ على إخلاء جميع خطوط التماس من الوحدات العسكريّة والمجموعات المسلحة بإعادتها إلى معسكراتها بالتزامن مع خروج جميع المرتزقة والمقاتلين الأجانب من الأراضي الليبيّة براً وبحراً وجواً في مدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخ التوقيع على وقف إطلاق النار. تحوّل موضوع المرتزقة السوريين في ليبيا إلى معضلةٍ أمام حكومة الوحدة الوطنيّة المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة والذي أوفد وزير الدولة الليبيّ للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي إلى دمشق في 29/12/2024، لبحث مسألة المرتزقة السوريين، الذين باتوا أحد عوامل عرقلة الحلّ في البلاد.
وهناك خلافات كبيرة في أوساط المرتزقة السوريين في ليبيا، بعد تخفيض رواتبهم الأمر الذي عرقل عمليات التبديل بين المجموعات، ويرفض “المرتزقة” أو “المتعاقدون” الخروج إلى ليبيا، بعد تخفيض الرواتب بنحو 200 دولار بعد توقف المعارك هناك، بينما كانوا يتقاضون نحو 2500 دولار شهريّاً، وفي كانون الثاني 2024، قال “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، إنّ عدد عناصر “المرتزقة السوريين” في طرابلس تجاوز سبعة آلاف سابقاً، لكن فرّ منهم نحو ثلاثة آلاف، وتحولوا إلى لاجئين في شمال أفريقيا وأوروبا.
المال وشبكة العرّابين سهل
لعبت دولة الاحتلال على وتر المال من أجلِ كسب الكم الأكبر من المقاتلين، لتصطاد بذلك “عصفورين” بحجر واحدٍ، في إطار تحقيق “المصلحة” وكررت دولة الاحتلال التركيّ السيناريو مراراً فنقلت أفواج المرتزقة إلى إقليم أرتساخ وزجّت بهم في الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، وأيضاً أرسلتهم إلى النيجر والصومال واليمن، وإلى أي بقعة ترى لها مصالح فيها.
ونتيجة لعدة عوامل أبرزها الاقتصاديّ قبلت شريحة من السوريين بالقتال كـ”مرتزقة” بعضهم من المدنيين لم يسبق أن شاركوا في القتال، واضطروا لحمل السلاح، بعد تقديم المُغريات الماديّة لهم تحت غطاء “الشركات الأمنيّة” وهو ما أكّدته في تقارير عدة صادرة من جهات ومنظمات حقوقيّة وإعلاميّة كالمرصد السوريّ لحقوق الإنسان و”المركز السوريّ للعدالة والمساءلة”، وتجاهلت دولة الاحتلال التركيّ كل التقارير الحقوقيّة.
وعلى الأرض يعمل قادة مجموعات المرتزقة مثل “الحمزات، سليمان شاه/ العمشات، السلطان مراد، فيلق الشام، فيلق المجد” “عرابين” ووكلاء لدى شركة “سادات” الأمنيّة التركيّة، وهي كانت القناة الرئيسيّة لرحلات الارتزاق، وعملوا على فتح مكاتب في المناطق المحتلة لاستقطاب مزيداً من المرتزقة وتقديم المغريات المادية، وتأمين سُبل التنقل براً أو جواً إلى ميادين القتال خارج سوريا.
وتفاوتت المبالغ المالية المخصصة للمرتزقة في ليبيا أو أذربيجان، وتراوحت وسطياً ما بين 1500 إلى 2500 دولار أمريكي، كما حصل عرّابو عمليات الارتزاق من متزعمي المجموعات على مبالغ ماليّة بآلاف الدولارات، بعد اقتطاع قسمٍ من رواتب عناصرهم ومصادرتها.
تأخذ عملية توثيق آليات الارتزاق في سوريا أبعاداً أوسع من كشف الخفايا والتفاصيل، وتنسحب بجزءٍ كبير منها إلى مناقشة الأثر والتداعيات المقبلة، وبشكلٍ خاص على الساحة السوريّة، التي تصدّرتها في السنوات الماضية عمليات عسكرية واسعة قادت إلى سقوط نظام الحكم فيها وتبوأ متزعمو المجموعات “عرابو الارتزاق” مناصب هامة ومُنحوا رتباً عسكريّة بارزة، رغم سِجلهم الحافل بالانتهاكات.
الارتزاق الداخليّ
باختصار التعريفات التي تضمنتها الاتفاقية الدوليّة لمناهضة تجنيد “المرتزقة” التي تضم 21 مادة، فإنّ “المرتزقة” هم أشخاص يتم تجنيدهم من قبل دولةٍ ما ليحاربوا من أجلها في دولٍ أخرى، بهدف تحقيق مكاسب سياسيّة وهو ما يتم تطبيقه بالفعل لحالة “الارتزاق” التي يعمل فيها السوريون خصوصاً وإنه من المعلوم بأن من يتم إرساله للقتال مدفوع بهاجس المال فسيكون مجرداً من أي اعتبارات أو قيود سينهب ويسرق ويخطف ويبتز. دأبت دولة الاحتلال التركيّ بشتى الوسائل الممكنة على ضرب الشعوب المتعايشة واستهدافها خصوصاً في إقليم شمال وشرق سوريا، وكانت البداية من معركة صوريّة احتلت فيها جرابلس في 24/8/2016، لتكون منطلق تنفيذ أجنداتها التوسعيّة وفقاً للميثاق المليّ، وعبر تجنيد المرتزقة حرفت مسار الحراك الثوريّ السوريّ، وتوقفت المعارك ضد النظام السوريّ، واحتلت تباعاً منطقة الباب في 22/2/2017، وعفرين في 18/3/2018، وشنّت عدواناً في 9/10/2019 لتحتل منطقتي تل أبيض/ كري سبي وسري كانيه.
واستغلت الفرصة بعد انطلاق عملية ردع العدوان التي بدأت في 27/11/2024، وأوعزت لمجموعات المرتزقة لتبدأ عدواناً باسم “فجر الحرية” في 30 تشرين الثاني 2024، والتي أدت إلى تهجير قسريّ ثاني لأهالي عفرين إلى إقليم شمال وشرق سوريا، وارتكب المرتزقة جرائم حربٍ وإعدامات ميدانيّة.
وتواصل العدوان وشمل مدينة منبج والتي تمت السيطرة عليها، بعد توافق مع التحالف الدوليّ على أن يتم وقف لإطلاق النار، إلا أنّ دولة الاحتلال ومجموعات المرتزقة واصلت العدوان للسيطرة على سد تشرين وجسر قرة قوزاق، لِتُقابل بمقاومة بطولية تسطّرها قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية المرأة منذ نحو 25 يوماً.
الاندماج والولاءات
بعد سقوط النظام، وحلّ الجيش السوريّ، اتخذت إدارة دمشق قراراً يقضي بدمج كل المجموعات تحت مظلة وزارة الدفاع لإنشاء جيش سوريّ جديد، إلا أنّ مراقبين يؤكدون أنّ هناك سيناريوهات مقيتة لأنّ متزعمي المجموعات هم أنفسهم عرابو المرتزقة الذين عملوا طيلة السنوات المنصرمة على تفتيت النسيج الاجتماعيّ وارتكبوا انتهاكات وجرائم بحقّ السوريين.
فلم تختلفِ المعطيات التي عملت لأجلها العصابات الإجراميّة وهي ذاتها التي حوّلتها دولة الاحتلال التركيّ لمرتزقة للقتال خارج سوريا، تقاتل اليوم لضرب السوريين وتسعى بكلِّ السبل لتحقيق أطماع الاحتلال التركيّ، فبعد أن سقط النظام السوريّ السابق وبالتوازي مع معارك إسقاط النظام توجه ما يسمّون أنفسهم “الجيش الوطنيّ” وعلى رأسها “العمشات والحمزات” رأس الحربة في الارتزاق الخارجيّ ولاعبون رئيسيين في تجنيد السوريين لصالح شركة “سادات” الأمنيّة التركيّة.
فمرتزقة العمشات منذ تاريخ تأسيسها عام 2011 غيّرت تسميتها أكثر من مرة بحسب مصادر تمويلها، بدءاً من “مجموعة خط النار” وصولاً إلى اعتمادها اسم “لواء السلطان سليمان شاه” نسبةً إلى الجد “الافتراضيّ” المؤسس للدولة العثمانيّة في مطلع عام 2016 بعد ربطها بالاستخبارات التركيّة، لتتحول إلى أكثر المجموعات ولاءً للاحتلال التركيّ، وتحرف مسار أهدافها في مهاجمة النظام السوريّ للتهجم على مناطق شمال وشرق سوريا، ورغم تسويقها نفسها على أنّها “مجموعات تركمانية”، إلا أنّ الحقيقة هي أنّهم من “المستتركين” حديثاً فمتزعمهم “أبو عمشة” من قبائل البدو وليس بتركمانيّ، وينحدر من قرية جوصة بمنطقة حيالين بريف حماة الشماليّ.
عمل “أبو عمشة” سائقاً للآليات الزراعيّة من جرارات وحصادات قبل اندلاع الثورة السوريّة، وتحول إلى أحد أكبر السفاحين بحقِّ الشعب السوريّ، خدمةً للأجندات التركيّة، وشريكه في المجازر متزعم مرتزقة “الحمزات” المدعو “سيف بولاد أبو بكر” والذي أسس مجموعته بأوامر تركيّة عام 2016، بدمج عدة مجموعات مرتزقة بمدينة مارع.
وكلا الإرهابيّين متلطخة أيديهم بدماء الكرد السوريين ولعبا أدواراً خطرة في تهجير الكرد من مناطقهم لتغيير ديمغرافية المناطق المحتلة، وأدرجت وزارة الخزانة الأمريكيّة مرتزقة الحمزات والعمشات على لائحة العقوبات في 17/8/2023. وجاء في القرار أنّ المدعو “محمد الجاسم/ أبو عمشة” وجه عناصره لتهجير السكان الكرد قسراً والاستيلاء على ممتلكاتهم، وأمر باختطاف السكان المحليين في عفرين، وطلب فدية مقابل الإفراج عنهم ومصادرة ممتلكاتهم لتعظيم إيرادات مجموعاته، ومن المحتمل أن يدر عشرات الملايين من الدولارات سنويّاً”. واليوم يتم تكريم المدعو “أبو عمشة” بمنحه رتبة عميد وتعيينه قائداً للفرقة 25 والتي كان يتزعمها المدعو سهيل الحسن في عهد النظام السابق، ويسيطر على طرق رئيسيّة تربط المدن الشرقيّة بالعاصمة دمشق بين حماة وحمص، ليرتكب الانتهاكات والاعتقالات والابتزاز بحقِّ المدنيين المسافرين إلى العاصمة بغرضِ العلاج أو دواعي أخرى فقط لأنّهم كرداً أو شعوب أخرى في مناطق الإدارة الذاتيّة.
ومن أكثر القضايا التي كشفت حقيقة مرتزقة “الحمزات” قضية اختطاف النساء الكرديات واحتجازهن في سجونٍ سريّة، تم كشفها بمحضِّ الصدفة على خلفيّة النزعات بين المجموعات في 29/6/2020، من قبل أشخاص ينحدرون من ريف دمشق خرجوا للتظاهر ضد ممارسات المرتزقة، وارتبط اسم “أبو بكر” متزعم المرتزقة بحادثة اغتيال الناشط الإعلاميّ، محمد عبد اللطيف “أبو غنوم” وزوجته الحامل في مدينة الباب بريف حلب الشماليّ، في 8/10/2022، إلى جانب آلاف الجرائم اليوميّة التي ارتكبت بحق أبناء الشعب السوريّ وخاصةً في عفرين من قتل واختطاف واغتصاب وسرقات وانتزاع الأملاك بالقوة وقطع للأشجار.
وجاء في قرار الخزانة الأمريكيّة “يقود فرقة “الحمزة” سيف بولاد “أبو بكر”، واتُهمت فرقته بقمع وحشيّ للسكان المحليين، بما في ذلك اختطاف نساء كرديات وإساءة معاملة السجناء بشدةٍ، ما أدى في بعض الأحيان إلى وفاتهم”.
ولدى متزعمي المجموعتين المرتزقين لديهما علاقة مباشرة مع دولت بهجلي رئيس حزب “الحركة القوميّة” التركيّ الفاشي، ورجل المافيا الأول في تركيا علاء الدين تشاكيجي والمعروف بقربه من حزب “الحركة القوميّة”، وأكّدت العديد من التقارير وجود مرتزقة تابعين لحركة الذئاب الرمادية الإرهابيّة “الجناح العسكريّ لحزب الحركة القوميّة”، تقاتل ضمن مرتزقة العمشات والحمزات، على محوري سد تشرين وجسر قرة قوزاق بعد إلحاق خسائر فادحة بصفوفهم على يد مقاتلات ومقاتلي قوات سوريا الديمقراطيّة.
تؤازر مجموعات المرتزقة هذه مجموعات أخرى كمرتزقة “السلطان مراد” الذي أسسته الاستخبارات التركيّة في أواخر آذار 2013، كتحالفٍ يضم 13 جماعة تركمانيّة مسلّحة، واللافت اتخاذ اسم السلطان مراد، أحد أخطر سلاطين الدولة العثمانيّة وأول من اتخذ لقب السلطان، و”الفرقة” متهمة بارتكاب جرائم حرب ضد الكرد في مناطق وجودها، بحسب تقارير لمنظماتٍ دوليّة ومحليّة، مثل “لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا” و”المرصد السوريّ لحقوق الإنسان”، إضافةً لتورّطها في تجنيد مرتزقة لصالح تركيا في ليبيا وأذربيجان، ومرتزقة “فيلق الشام” أحد أكثر المجموعات المرتزقة قرباً من الاحتلال التركيّ، فقاتل بالنيابة عنه داخل وخارج سوريا ومرتزقة الجبهة الشامية، ومرتزقة “فيلق المجد” الذي أسسته الاستخبارات التركيّة عام 2017، وهناك مجموعات مرتزقة أخرى تحمل ذات الطابع مثل محمد الفاتح وسمرقند وملكشاه والمعتصم.
الآمال ضعيفة في إنشاء جيش سوريّ حقيقيّ يضطلع بمهمةِ حماية البلاد والشعب بكلِّ انتماءاته وتوجهاته، مع إبعاد شعوب سوريّة وطنيّة عن المشهد واعتلاء متزعمي المرتزقة مركز اتخاذ القرار ومكافأتهم بمنحهم رتباً عسكريّة، لتبقى سوريا تئِنُ تحت وطأة واقع متخبط فيما ينتظر السوريون نهايةً تأخذ البلاد إلى مسار البناء والتطوير الحقيقيين بإشراك كلّ الأطيافِ السوريّة دون إقصاءٍ أو إلغاء على أسس وطنيّة حقيقيّة لا ولاءات خارجيّة ومنافع شخصيّة، وليبقى السؤال مطروحاً هل سيبني المرتزقة الذين جرى دمجهم وإعادة تعويمهم سوريا الجديدة؟




