سوزدار رزكار (صحفية)
سوزدار رزكار (صحفية)
تخيل لوهلة صغيرة، في هذه المدينة التي يبدي أبناؤها مقاومة أكبر من أعمار أجداد المحتل، أن تصنع خبراً وتنقل الحدث بتفاصيل دقيقة ليصبح اسمك عنواناً لها، تخيل لوهلة بـأن تدلي بصوتك للعالم حول المجازر التي يرتكبها المحتل التركي بحق الأهالي ليصبح اسمك الذي يتردد على ألسن الجميع، تكون أنت الصوت الذي يتردد فيها اسمك على ألسن الجميع، تخيل أن تكون صحفيًا ينقل الخبر لتصبح شهيداً يصنع منه الخبر.
لا يمكن لأسلاف دولة المحتل التركي أن يكونوا أبطالاً أو مناضلين كأهل عفرين، فحتى المقاومة لها أشكالها، ولكل فرد منا له دوره في حماية القضية الكردية، فمنا من يحمل السلاح، وآخر يحمي شعبه، ومنا من يحمل الكاميرا ويدافع عن قضيتنا “قضية المرأة”، وجميعنا نحمل بعضنا البعض، لنستطيع أن نكمل طريقنا بالنضال والمقاومة لحماية أرضنا وشعبنا.
“هيرو، كلستان، عزيز، جيان، ناظم، وعكيد روج”، أسماء تتالت على مسامعنا وألسنتنا، صحفيون استشهدوا أثناء أدائهم مهامهم لإظهار الحقيقة وفضح ممارسات المحتل، فلم يحملوا السلاح، بل حملوا كاميراتهم وجابهوا المحتل بها.
ليسوا هم فقط، فخلال ثورة روج آفا ضحى العديد من المناضلين بحياتهم في جبهات القتال، بعضهم حملوا السلاح، وبعضهم حملوا الكاميرا والقلم لينقلوا للعالم أحداث الثورة، والمقاومة، والتضحيات التي تقدمها وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، ممن ضحوا بأرواحهم في سبيل نقل الحقيقة والدفاع عن قضيتهم الكردية.
الصمت أبلغ من الكلام
لقد كبرنا نحن وثورتنا “ثورة روج آفا” التي بدأت من نقطة الصفر بين الحرب والمقاومة، بين الانتهاكات، وقصص روّتها مشاهد عدستنا للجميع، فقد صنعنا أخبارًا يتجاوز حجم ألمها حد الوصف، لكننا فعلناها ووصلنا الحقيقة للرأي العام والعالم. فنحن الإعلاميون والصحفيون في إقليم شمال وشرق سوريا، وخاصةً من عاش منا حالة الحرب بتفاصيلها خلال هذه السنوات، شاهدنا وعانينا وقاومنا كثيراً، فتغطية الأحداث في الحرب وجبهات القتال، تحمل في طياتها مخاطر جسدية ونفسية أيضاً على الصحفي أو المصور، لأننا نرى مشاهد الدمار والدماء والجثث، لكننا نقاوم مشاعرنا التي تكاد تتحطم في هذه المشاهد، لأننا صحفيون وملزمون على إكمال واجبنا الإنساني.
الاستهدافات المباشرة للصحفيين والإعلاميين خلال هذه الفترة والفترات السابقة، لا تدل على قوة المحتل التركي وأعوانه، بل تدل على خوفهم، أمام ما تبديه قوات سوريا الديمقراطية والإعلاميين في ساحات القتال.
من هو الشهيد عكيد روج؟
مع بداية ثورة روج آفا وفي حيي الشيخ مقصود والأشرفية بشكل خاص، حيث انضم إليها أهاليها بصغيرهم وكبيرهم، فأهالي هذين الحيين معروفون بمقاومتهم التي لقبت بحرب الشعب الثورية.
وخلال عام 2013، كان حيا الشيخ مقصود والأشرفية شبه فارغين، لتهجير عشرات الآلاف من سكانهما في هجمات المحتل التركي، فلم يبقَ في أرجائهما سوى المقاتلين والمقاتلات، وقلة قليلة من الأسر وكانت عائلتي إحداها.
وفي شارع منزلنا بالتحديد، كان توجد نقطة لوحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، ومن هناك تعرفت أنا وعائلتي على “عكيد روج”، حيث كان آنذاك مقاتلاً في وحدات حماية الشعب يقف على أحد النقاط اللوجستية، وأنا ابنة هذا الحي التي أبت أن تترك منزلها وحيها:
فلم يوجد وقتها وسائل التواصل الافتراضي، ولا كهرباء، وقد كنت أذهب برفقة عائلتي وجيراننا إلى نقاطهم، حيث كان ذلك بمثابة نقطة راحة في ظل فراغ حيينا، لنشرب الشاي ونتحدث عن الأوضاع والأحداث.
وقد كنت صغيرة جداً آنذاك، والشهيد عكيد روج أيضاً كان صغيراً، ولصغر سنه قمنا بلقبه بـEgîdê biçûk، وبعد 13عاماً من تواصلنا ومعرفتنا وصداقتنا، أصبحنا نمارس مهنة الإعلام معاً، حيث مارسنا مهنتنا “الصحافة”، آنذاك باسم مستعار “برفين روج، وعكيد روج”، وبعد فترة قررت أن أمارس مهنتي باسمي الحقيقي “سوزدار رزكار”، بينما بقي عكيد روج باسمه المستعار.
وقد لعب “عكيد روج” دوراً بارزاً وأساسياً في نقل حقيقة شعب مقاوم والانتهاكات التي تحصل بحقهم من مرتزقة الاحتلال التركي والنظام البعثي البائد، وكان لاسمه محور خاص في جبهات القتال وعلى والوسائل والأوساط الإعلامية، فقد أحيا ميراث الإعلام الحر في حياته ولم يبتعد عن متابعة الحقيقة.
وقد مارس الصحافة في “الشيخ مقصود، وعفرين وأثناء مقاومة العصر وفي الشهباء، وكوباني، والطبقة، والرقة، وقامشلو، والحسكة، وديرك، حتى ارتقى Egîda biçûk، شهيداً لتظل ذكراه خالدة في الأذهان.
الكلمات الأخيرة للصحفي الشهيد “عكيد روج”
وقبل استشهاده كتب “عكيد روج” رسالة قال فيها: “أكتب لكم وأنا مطمئن أن الأمل لا يزال ينبض في قلوب من آمنوا بالحياة والحرية في قلب أمي وأبي وأخوتي وأصدقائي وشعبي، أنتم الأبطال الذين ستتسلمون راية التحرير، أنتم من ستكتبون نهاية هذا الفصل المظلم، أعرف أنكم ستجلبون النور لكردستان ولعفرين، وستحققون لنا حلم العودة والكرامة.
أصدقائي، لم أكن فقط صحفياً، بل كنت شاهداً على التاريخ، وسأظل كذلك حتى آخر لحظة في حياتي، ليتني أعيش لأرى عفرين تتحرر، ولكن إن لم يكن لي هذا الشرف، فأنا مطمئن أنكم، أنتم من ستحق
قون هذا النصر العظيم”.




