No Result
View All Result
تقرير/ غاندي إسكندر –
روناهي/ كركي لكي ـ تشتهر قرى الكوجرات في إقليم الجزيرة بتقليد متوارث منذ عشرات السنين، وهو المضافة (كوجك) حيث لدى كل فخذ من العشيرة، وفي كل قرية كوجرية مضافة كبيرة بجانب بيت كبير العشيرة، أو مختار القرية.
تعتبر المضافة مكاناً للقيم الإنسانية النبيلة فهي ترمز للعادات، والتقاليد كالكرم، والجود، وتعد حاضنة لمعظم قيم الأصالة العشائرية التي بتنا نفتقدها اليوم، والمضافة عبارة عن غرفة كبيرة واسعة سابقاً كانت أرضها مكسوة بالسجاد، وفي جنباتها فُرش محشية بالصوف أما حديثاً فالفرش من الإسفنج، ويستند الضيف على أرائك محشية بالصوف، وكانت المضافات سابقاً تتزيّن بأواني نحاسية، وخشبية، وفخارية مختلفة غير أواني القهوة كما كانت تنتشر في أرجائها أدوات موسيقية كالربابة، والدف، وتتوسط المضافة مدفأة الحطب أما جرة الماء الكبيرة فكانت توضع قرب باب المضافة، ولتسليط الضوء على المضافات العشائرية الكوجرية زارت صحيفتنا مضافة قرية سيكرا في منطقة الكوجرات.
المضافة ملجأ لعابري السبيل وطالبي الغوث
الحاج محمد تمر وهو أحد سكان قرية سيكرا الذي يبلغ من العمر 75 عاماً، والمثابر على ارتياد المضافة منذ 60 عاماً عندما كان يذهب برفقة والده للتعليلة المسائية (السهرة المسائية) تحدث لنا قائلاً: “كانت المضافات قديماً تُبقي أبوابها مفتوحة ليلاً نهاراً لعابري السبيل، وطالبي الغوث، والوافدين من القرى المجاورة، والقادمين من أماكن بعيدة، وكانت مضافة سيكرا إحدى أهم المضافات في قرى الكوجرات كونها تتوسط بين القرى العربية، والكردية، وحلقة وصل بين تل كوجر وكركي لكي، وديريك، وقرى باشور كوردستان. ويضيف الحاج تمر يتميز دور المضافات بشكل عام بأنه المكان الملائم لحل الخلافات، والمشاكل الاجتماعية ناهيك عن أنها كانت، ولاتزال ملاذا آمن، وإصلاح لذات البين لكل إنسان هارب من قضية اجتماعية على سبيل المثال حالات الخطف بين العُشاق التي تشتهر بها منطقة الكوجرات، فيبقى الهاربان (العاشقان) في رعاية صاحب المضافة إلى أن تُحلُّ محنتهم، وتتصالح العائلتان. فيقول الحاج تمر: قبل خمس سنوات كان في المضافة ثلاث شباب عرسان بقوا في حماية المضافة لعدة أشهر إلى أن تصالحت عوائلهم، وعادوا إلى بيوتهم.
القهوة المرة مفتاح السلام
ويتابع قديماً وسائل التواصل مع العالم الخارجي، ومعرفة الأخبار بشكل عام تعتمد على ما يقال في المضافة كونها ملتقى عابري السبيل من القرى المختلفة، ويبين أن للمضافة إلى الآن مدخل خارجي مستقل عن البيت يدخله كل من يرغب في المأوى، أو المبيت، ولفت الحاج من عادات المضافة ألا يُسأل اللاجئ إليها عن اسمه، أو من أين يأتي، وما حاجته إلا بعد أن يرتاح، ويطمئن على أنه في مكان آمن. ونوّه الحاج تمر أن من أهم ما تتميز به المضافة هي تقديم القهوة المرة حيث تقدم للضيف عند جلوسه، ونحن نعتبر تقديم القهوة المرة مفتاح للسلام، والبدء في الكلام، وهي أحد المعالم الأصيلة لأنها سمة من سمات الضيافة، ولها حرمة، واحترام أثناء التقديم، وطريقة التقديم، ويضيف إن فنجان القهوة كفيل بأن يحلُّ أكبر المشاكل، وأعقدها ولو كانت مستعصية، وتعد القهوة مقياساً تقليدياً لمعرفة واقع تمسك أهل البيت بالعادات، والتزامهم بالموروث الشعبي. ويؤكد الحاج تمر: “إننا سنحافظ على ما تعلمناه من قيم عشائرية، وسنبقى أوفياء على العهد الذي قطعناه لأسلافنا، ونحن على دراية تامة بأن أبناءنا رغم التكنولوجيا الحديثة، والتطور الذي يشهده العالم لن يخذلونا في صون الأمانة التي سنعهدها لهم”.
No Result
View All Result