قامشلو/ سلافا عثمان – الفن رسالة إنسانية ولغة عالمية، مقولة وحقيقة لا يمكن لأحد أن يجادل فيها، غير أن للفن جوانب أخرى تظهر كل يوم، ومع ما يحدث حولنا من مستجدات وأحداث تغير الموازين والمفاهيم العامة.
سولين أوسي فنانة تشكيلية كردية، ترسم ملامح الحياة في مجتمعها في إقليم شمال وشرق سوريا، ومن أبرز هذه الملامح اليومية، المقاومة التي باتت طقساً حياتياً ومنسكاً يومياً من مناسك البقاء واستمرار الحياة.
سولين ترى ومن خلال لقاء أجرته معها صحيفتنا “روناهي” أن الفن بات اليوم وسيلة حية لتوثيق مقاومة شعبها وخاصة في سد تشرين، في الآونة الأخيرة، رسمت لوحات، تعكس معاناة الشعب وأملهم في المستقبل، مستخدمةً الألوان والخطوط لترسل رسالتها الوطنية، وتخلد ذكرى الشهداء، مؤمنة بأن الفن هو السلاح الأقوى للحفاظ على الذاكرة والمقاومة.
“الفن التشكيلي من أعمق وسائل التعبير الإنساني، حيث تتجسد المشاعر والأفكار من خلال الألوان والخطوط والتكوينات البصرية، فلم يكن الرسم لي هواية، بل طريقاً لفهم العالم والتعبير عنه، ووسيلة نضال ومقاومة”. هكذا تنظر سولين للفن وقد بدأت رحلتها معه منذ أن كانت في الرابعة عشرة من عمرها، مدفوعة بشغفها الكبير لاستكشاف الألوان وتوظيفها في لوحات تعكس رؤيتها الخاصة.
الفن انعكاس قضايا المجتمع
الألوان والخطوط كانت دافعها الأول للاستمرار في الرسم، حيث بدأته بالتعلم الذاتي في سن مبكرة، معتمدة على التجريب والملاحظة والاستفادة من المصادر المتاحة، ومع مرور الوقت التحقت بمعهد الفنون التطبيقية والتشكيلية في مدينة الحسكة، حيث درست فيه مدة سنتين، وخلال هذه المرحلة تمكنت من تطوير مهاراتها التقنية وفهم أعمق للفن التشكيلي.
ورغم تخرجها من المعهد لم تكتفِ بذلك، بل قررت مواصلة رحلتها الأكاديمية، فتقدمت للمفاضلة في جامعة روج آفا، وانضمت إلى كلية الفنون الجميلة، حيث درست مدة أربع سنوات، لتكون هذه المرحلة محورية في تطوير رؤيتها الفنية، إذ أتيحت لها الفرصة للتعرف على مدارس فنية مختلفة، وصقل تقنياتها، والانخراط في ورش ومعارض فنية محلية؛ ما عزز حضورها في المشهد التشكيلي.
وتشير سولين إلى ذلك “الفن ليس مجرد أداة للتعبير الشخصي، بل هو سلاح يمكنه توثيق الأحداث، ونقل الرسائل، وتخليد الذكريات”، وخلال مسيرتها الفنية -المتواضعة كما تصفها-وجدت أن لوحاتها أصبحت انعكاساً لقضايا شعبها، ووسيلة دعم المقاومة وإحياء ذكرى الشهداء.
الفن وسيلة مقاومة وأسلوب نضال
من أبرز مشاركات سولين في الفترة الأخيرة كانت مشاركتها في ورشة سمبوزيوم “رسالة تضامن مع المقاومة في سد تشرين”، حيث رسمت مجموعة من الأعمال التي تعبر عن صمود شعوب شمال وشرق سوريا والمجتمع المدني: “وجودنا في هذه الورشة لم يكن مجرد عمل فني، بل تأكيد على أن الفن هو استمرار للمقاومة، وطريقتي في التعبير عن الوجود والاستمرار”.
وخلال هذه الورشة، قدمت ثلاث لوحات رئيسية، لكل منها دلالاتها ورموزها العميقة، أوضحت أن اللوحة الأولى حملت عنوان “نحن ما زلنا هنا”، وجسدت فيها صورة رمزية لصديقتها التي استشهدت أثناء عملها الإعلامي، وأن هذه اللوحة لم تكن مجرد رسم، بل رسالة إلى العالم: “الشهداء هم قادتنا المعنويون، ونسيان دمائهم خيانة”.
وأكدت سولين، أنها لن تنسى صديقتها، وأنها ستواصل طريقها في الفن والإعلام لإيصال الحقيقة: “هذه الفتاة الجميلة التي لم تكن سوى إعلامية تقوم بعملها، قُتلت بطائرة تركية، سأحارب بالرسم وبالكلمة، إلى أن يسقط هذا النظام الظالم”.
وأما اللوحة الثانية والثالثة فقد تناولت جوانب من أوجه المقاومة والخطر الذي يحيق بسد تشرين جراء العدوان عليه، حيث رسمت مشهداً للسد وقد امتزجت مياهه بدماء الشهداء، واستخدمت اللون الأسود للتعبير عن الحزن والمأساة، فيما أضفت بريقاً في الأفق، ورمزاً للأمل في مستقبل مشرق “اللون الأسود يعكس الألم الذي مررنا به، لكن الشمس دليل على أن يوماً ما ستشرق شمس الحرية، واللون الأخضر في اللوحة يعبر عن ربيع قادم، ووجوه الشهداء على السد تعني أنه بفضلهم ستزهر أرضنا من جديد”.
وبينت سولين، أن رحلتها الفنية لم تكن سهلة، بل واجهت العديد من التحديات، التي أثرت على تطوير ذاتها، لكنها لم تثنها عن مواصلة طريقها، من بين أبرز هذه الصعوبات نقص الدعم المادي: “أن توفير الأدوات والمواد الفنية كان من أكبر التحديات، حيث تتطلب الألوان واللوحات نفقات مرتفعة؛ ما يجعل استمرار الفنان في إنتاج أعمال جديدة أمرًا صعبًا في ظل قلة الموارد”.
ووجهت رسالة إلى الفنانين الشباب، داعية رفض الاستسلام أمام العقبات، والاستمرار في تطوير أنفسهم، لأن كل تحرك للفرشاة على اللوحة فرشاة هي خطوة نحو الإبداع والتميز: “كل شيء في الحياة هو فن، وكل شيء غير جميل يمكننا تحويله إلى شيء أجمل من خلال الإبداع، بالرغم من الصعوبات، يبقى الرسم مصدر الإلهام والحرية، وهو ما يجعلني أستمر رغم كل شيء”.
الفنانة التشكيلية الشابة “سولين أوسي” وفي ختام حديثها أكدت أن الفن ليس مجرد أداة تعبير، بل أسلوب حياة يمنح الإنسان الحرية والقوة للاستمرار: “الرسم ليس مجرد هواية، هو صوتي حين يُراد له أن يصمت، وحريتي حين يضيق المكان، سأرسم وألون وأحكي قصتنا حتى النهاية”.




