قامشلو/ دعاء يوسف ـ تحمل كلستان طاهر على أكتافها أوجاع وأحزان الطفل الكردي الذي لاقى ويلات الحرب والتهجير والتهميش، وقد جسدتها من خلال مسرحية نسرين الطفلة الكردية، التي هربت من العنصرية في بلدها لتلاقي طغيان أمواج البحار ومحاولات النيل من عزيمتها، وحتى بعد وصولها إلى بلاد الغربة لم تجد الأمان الذي تبحث عنه، هي تعمل على نقل هذه المعاناة إلى العالم من خلال عرضها هذه المسرحية في دول وبلدان مختلفة.
في إطار سعيها لتسليط الضوء على قضية الطفولة السورية المسلوبة جراء الحرب والاحتلال والتهجير، عرضت حركة ميزوبوتاميا للثقافة والفن الديمقراطي وكومين المسرح، مسرحية بعنوان “نسرين” في مركز محمد شيخو للثقافة والفن بمدينة قامشلو، وقد حملت بين ثناياها أوجاع وآلام طفلة جسدت واقع الطفل الكردي في القمع والترهيب في وطنه، فبدأت رحلة الهروب التي ملأتها الثغرات والآلام من تعذيب وإذلال، وعلى الطريق تخبطتها أمواج البحار تاركةً العنان للعالم ليقودها إلى طريق مسدود وحيدةً في بلد غريب، مدركةً أن الغربة لم تكن طوق النجاة التي سعت إليه.
جسد طفلة وروح عجوز
تبدأ المسرحية من خلال مقطع أغنية لكلستان التي تخرج بين الجمهور حاملةً “بقجتها” بين أناملها تناجي المستمعين، ومع صعودها خشبة المسرحة تبدأ تجسيد قصة نسرين الطفلة، التي عانت من العنف المدرسي والنظام البعثي، لتناجي والدها وألعابها بحثاً عن فسحة أمان في وطن أخرجها من طيات السلام، وتنطلق رحلة الهجرة من وطنها مع والدها محملة بالأحلام والآمال إلا أن جرحاً جديداً قد أضيف إلى عالمها الوردي وقد سببه الحرس التركي بسبب معاملتهم الدنيئة والوحشية لها ولوالدها، وتزداد جروحها ببقائها في الأراضي التركية فقد عانت ضعف معاناة السوريين، فهي سورية وكردية أيضاً، ومع توالي الجروح ونزيف الروح انطفأت شعلة عينيها مع آخر موجة من بحر اليونان، الذي قذفها إلى شواطئه وحيدة دون والدها فقد تركته ليرتاح مما عاناه في قاع البحر بعد أن كان يحلم بتأمين مستقبل لها بعيداً عن العنف، مليئاً بالأمان والتعليم والغناء والموسيقا والحرية.
وصلت إلى الحرية والنجاة كما صورها لها كل هارب ولاجئ من بلده إلا أنها لم تكن أرض الحرية التي تاقت إليها فوصلت جسداً بلا روح، ووجه محمل بالتجاعيد والندبات الموجودة على وجهها الصغير، بسبب الألم والمعاناة التي عانت منها روحها، فتحولت الطفلة إلى عجوز نتيجة ما لاقته، مشيرة الى أن الوجه هو مرآة الروح.
وفي ختام المسرحية بعد مناجاتها المحاكم تروي قصتها طالبة يد العون، لم تجد مجيبا لصرخاتها، فسحبت وشاح أحزانها الجديدة في بلاد الغربة، فطلبت من الجمهور بعدم الهجرة والبحث عن الغد المشرق فهو موجود في بلدانهم إن عمروها.
وقد برعت الممثلة بإيصال مشاعرها إلى الجمهور، الذي تفاعل مع تعابيرها وتأثر مع معالمها وتعبيراتها ونبرة صوتها، التي وصلت إلى أعمال المتلقي ليعيش الحالة الانفعالية ويتأثر بمجريات القصة.
مسرحية نسرين حُلَّة للمسارح أينما وجدت
وقد عرضت المسرحية في العديد من مدن ألمانيا، وبينت كلستان طاهر أنها سعت إلى إيصال معاناة جيل كامل، وشعب عانى من الظلم واضطر للهجرة ومغادرة بلده الذي تحول إلى ساحة حرب: “نسرين تجسيد للطفل الكردي الذي هرب من بطش الاحتلال والحروب والظلم ليصدم بواقع آخر لا يحفظ حقوقه، فبقي طفلاً مشوه الروح، وقد رغبت بأن أوصل هذه الرسالة للعالم”.
وقد بدأت كلستان في مجال الفن منذ 1984 بالغناء ضمن الفرق الفلكلورية في سوريا، وبعد زواجها من المخرج والكاتب المسرحي عادل إسماعيل إسماعيل، عملت في مجال المسرح وقدمت مع زوجها قصصاً عالمية ومحلية، ولكنها ترى قصة نسرين تروي الوجع السوري والطفولة المسلوبة: “لقد عرضت هذه المسرحية في برلين، وهيسن في ألمانيا، كما قدمتها ضمن مهرجان سقز التاسع عشر المسرحي في إيران وحصلت على جائزة أفضل ممثلة، كما ستعرض في نيسان في مصر في مهرجان شبابي في الصعيد، وقدمنا طلباً لعرضها في لبنان وتونس أيضاً”.
فيما قدمت كلستان منذ شهرين إلى قامشلو من ألمانيا لتعرض هذه المسرحية على خشبة المسرح، الذي استلهمت منه الوجع وهي مناطق إقليم شمال وشرق سوريا.
واختتمت حديثها: “إنني أقدم هذه المسرحية باسم مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، وأحمل على عاتقي معاناة شعب كامل وسأنقلها للعالم، ربما الحمل كبير إلا أنني أسعى إلى حمل همومهم وأجوب بها دول العالم وأينما حط الرحال سأقدم هذه المسرحة، فصرخة نسرين لم تسمع بعد”.




