بدرخان نوري
تشكّل المعلومات المُضللة والأخبار المفبركة إحدى أهم أدوات الحربِ، ويتم ترويجها بهدفِ التحريضِ وإيقاد نار الفتنة، كما أنّها وسيلة لتلميع صور السلطات القائمة والتهرّب من الحقائق، وبالتوازي مع العدوان التركيّ على محاور منبج وسد تشرين شهدت الكثير من المواقع وصفحات التواصل فيضاً من الأخبار الكاذبة بهدف التأثير المعنويّ على مقاتلي قوات سوريا الديمقراطيّة وحاضنتها الاجتماعيّة، وعرقلة مسار الحوار مع سلطات دمشق الحالية، وتم تداول أخبار مكثفة عن معارك وإنجازات ميدانيّة وهميّة.
الشائعات ورمزية الاحتلال والإرهاب
لم يكن مصادفة أنّ تم تحديد يوم الاثنين الموافق 20 كانون الثاني 2025 ليشهد أكبر حجم من الأخبار المفبركة والمعلومات المضللة، ففي مثل هذا اليوم عام 2018 بدأ جيش الاحتلال التركيّ ومجموعات المرتزقة العدوان على عفرين، وفي مثل هذا اليوم من عام 2022 هاجمت خلايا نائمة من بقايا مرتزقة “داعش” سجن الصناعة في مدينة الحسكة، وبذلك يُفهم بعدٌ آخر لهذا التاريخ ورمزيته المتصلة بالاحتلال والإرهاب.

وتمادت قنوات على موقع تلغرام للترويج لخبر فتح عدة جبهات على التوازي في أرياف الرقة ودير الزور والحسكة، علاوةً على الاشتباكات والقصف في محيط سد تشرين.
نشر المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطيّة تنويهاً، مساء الاثنين 20/1/2025، كذّبت فيه جميع الأخبار المتداولة حول وقوع اشتباكات بين قواتها وقوات إدارة العمليات العسكريّة (هيئة تحرير الشام).
وقال المركز الإعلاميّ: “تداولت بعض وسائل الإعلام التابعة لمرتزقة الاحتلال التركي أخباراً ومعلومات كاذبة بحدوث اشتباكات بين قواتنا وقوات إدارة العمليات المشتركة “هيئة تحرير الشام” في دير الزور. تلك الأخبار كاذبة ولا صحة لها، ونحافظ على قنوات التواصل مع دمشق منذ بداية التغييرات الأخيرة في سوريا، ونجحنا في تثبيتِ الهدوء في كافة المناطق مع استمرار الحوارات الإيجابيّة”.
وأضاف المركز الإعلامي: “مجموعات مرتزقة من بقايا فلول النظام البعثي والدفاع الوطني حاولت إثارة الفوضى وقطع الطرق في بعض مناطق دير الزور، حيث تعاملت معها قواتنا وأعادت الأمان للمنطقة، مع استمرار العمل مع قوات التحالف الدولي لمحاربة داعش والحفاظ على الأمان والاستقرار في كافة أرجاء دير الزور”.
والحقيقة أنّ عدة حوادث وقعت، ولكن تم تضخيمها على أنّها اشتباكات عنيفة أفضت إلى إنجازات ميدانيّة، وأصدر المركز الإعلاميّ في قوات سوريا الديمقراطيّة بياناً حولها جاء فيه “في تمام الساعة الواحدة فجر الاثنين 20 كانون الثاني 2025، تعرّض حاجز الغرب، الواقع على طريق السبعة وأربعين، الرابط بين مدينة الحسكة ومدينة الشدادي، لهجومٍ إرهابيّ غادر، نفّذته خلية تابعة لداعش الإرهابيّ”، وأشار البيان إلى أنّ الخلية الإرهابيّة تتألف من خمسة مرتزقة، واستخدمت في هجومها الدراجات النارية، وأطلقت النيران على عناصر الحاجز. وعلى الفور، تم الرد بحزمٍ على مصادر النيران، ما أدى إلى إصابة أحد عناصر الخلية الإرهابية وإلقاء القبض عليه، بينما لاذ بقية أفراد المجموعة بالفرار.
ومساء الأحد وقعت عدة هجمات استهدفت مقرات ودوريات لقوات سوريا الديمقراطية بريف دير الزور، ونقلت نورث برس عن مصدر عسكري في بدير الزور، إنّ مسلحين مجهولين استهدفوا بقذيفة صاروخية (آر بي جي) دورية عسكريّة لقسد ببلدة أبو حمام بريف دير الزور الشرقي، ما أسفر عن إصابة ثلاثة عناصر من “قسد”، ووقعت اشتباكات في بلدتي غرانيج وهجين بريف دير الزور الشرقي، دون تسجيل ضحايا أو مصابين، وأضاف أن مسلحين مجهولين في بلدة درنج بريف دير الزور الشرقي، هاجموا مقر عسكري لـ”قسد” على سرير نهر الفرات، لتندلع اشتباكات متقطعة انتهت دون تسجيل أي خسائر.
وتداولت مواقع التواصل مقطعاً مصوراً تظهر فيه مجموعة مسلحة تهدد قسد زعمت أنها من حركة أبناء العشائر التي يقودها المدعو إبراهيم الهفل والذي كانت تدعمه إيران. كما تم الترويج لخروجٍ رتل كبيرٍ للقواتِ الأمريكيّة من الأراضي السوريّة.
مُسيّراتنا صناعة محليّة
من جملة المعلومات المتداولة مؤخراً أنّ قوات سوريا الديمقراطيّة تلقت دفعة من 1500 طائرة مُسيّرة من إيران، وأنّها بصدد تسليم سلاحها.
قال القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، الأحد 19/1/2025، إنّ الأمريكيين قادرون على إنهاء الأزمة مع تركيا إن شاءوا فعل ذلك، وأضاف في مقابلة مع قناة العربية أنّ تركيا تريد التوسع في شمال وشرق سوريا، وأنّها تريد “احتلال كوباني لتوحيد مناطق سيطرتها”.
ونفى عبدي أيّة علاقات مع إيران: “ولا نمتلك أسلحة إيرانيّة كما يروّج البعض، وإيران كانت جزءاً من الأزمة في سوريا”. وأكّد أنّ الطائرات المُسيّرة التي تستخدمها قوات سوريا الديمقراطيّة تُصنع بإمكانات محليّة وتم البدء فيها منذ فترة طويلة وقطعوا أشواطاً في هذا المجال.
وبخصوص لقائه مع الرئيس مسعود البرزاني صرح عبدي بأنه طلب منه التوسط لوقف الهجمات التركية. وتابع: “لا نسعى لاستنساخ تجربة إقليم كردستان العراق”، موضحاً إنّ “الدستور يجب أن يضمن حقوق الكرد في سوريا، ونحن مع وحدة الأراضي السوريّة”.
وتابع أنهم لم يقرروا حتى اللحظة تسليم السلاح للإدارة السورية الجديدة، مشدداً على أنه يجب أن يضمن الدستور الجديد حقوق الكرد في سوريا. وأوضح أنهم مع بقاء القوات الأمريكيّة في سوريا، وبأنهم طلبوا من إدارة ترامب تفعيل العقوبات على تركيا، معتبراً أنَّ وجود القوات الأميركية في سوريا هام لتقريب وجهات النظر.
وبالنسبة لقيادة الإدارة السورية الجديدة قال عبدي: “إن تصريحات أحمد الشرع إيجابية وأتمنى أن يحول أقواله الإيجابية إلى أفعال”.
وأضاف أنّه لم تتم دعوتهم لاجتماع الشرع مع الفصائل العسكريّة، وأنّ نتائج هذا الاجتماع لا تعنيهم لأنّهم لم يكونوا جزءاً منها، موضحاً أنّهم اقترحوا تشكيل لجنة عسكريّة مشتركة لدراسة دمج الفصائل العسكرية.
مواقف ومبادرات وطنيّة
المبادرات والمواقف التي أبدتها الإدارة الذاتيّة كانت رداً حاسماً على كلّ ما تردده وسائل الإعلام ويقول مسؤول دولة الاحتلال التركيّ فيما يتصل باتهامات الانفصال والتقسيم، أو الاستئثار بالثروات الوطنيّة.
وفي خطوة عمليّة التقى وفد من قوات سوريا الديمقراطية قائد إدارة هيئة تحرير الشام في دمشق أحمد الشرع في 30/12/2024، وذلك في أول محادثات بين الطرفين منذ سقوط النظام السوريّ، ووصفت المحادثات بأنها إيجابيّة، لتزيد على أثرها وتيرة الحرب الإعلاميّة في مسعى لإفشال المفاوضات لصالح طرف إقليميّ.
وفي موقفٍ يؤكدُ الالتزام الوطنيّ أعلنت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، في 12/12/2024، رفع علم الثورة السوريّة (علم الاستقلال) بعد سقوط النظام، وقالت في بيان رسميّ “بما أنَّ رمز المرحلة هو علم الاستقلال المتمثل بالألوان الثلاثة الأخضر والأبيض والأسود بثلاث نجمات باللون الأحمر، ولكون مناطق الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة لإقليم شمال وشرق سوريا جزءٌ لا يتجزأ من جغرافية سوريا، والقاطنين فيها من المكونات السوريّة العريقة والأصيلة، فقد قرر مجلس الشعوب الديمقراطيّ رفع العلم السوريّ على كلِّ المجالس والمؤسسات والإدارات والمرافق في كل مقاطعات الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة لإقليم شمال وشرق سوريا”.
كما أطلقت الإدارة الذاتيّة في 16/12/2024، مبادرة وطنيّة لحلّ الأزمة السوريّة تصدرها بند الحفاظ على وحدة وسيادة الأراضي السورية وحمايتها من الهجمات التي تشنّها الدولة التركية ومرتزقتها. ودعت إلى وقف العمليات العسكريّة والبدء بحوار وطنيّ شامل وبنَّاء، واتخاذ موقف التسامح والابتعاد عن خطاب الكراهية والتخوين بين السوريين، وعقد اجتماع طارئ تشارك فيه القوى السياسية السوريّة في دمشق لتوحيد الرؤى بشأن المرحلة الانتقالية.
وأكدت المبادرة على أنَّ الثروات والموارد الاقتصاديّة يجب أن يتم توزيعها بشكلٍ عادل بين كل المناطق السوريّة، باعتبارها ملكاً لجميع أبناء الشعب السوريّ. ودعت إلى ضمان عودة السكان الأصليين والمهجرين قسراً إلى مناطقهم، والحفاظ على إرثهم الثقافيّ وإنهاء سياسات التغيير الديمغرافيّ، وأكّدت الاستمرار بمحاربة الإرهاب وإنهاء حالة الاحتلال.
وعندما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 6/1/2025 إلى دعم الكرد وعدم التخلي عنهم كان متوقعاً أنّ أنقرة سترد وبعد يومين شنّ وزير الخارجية التركيّ هاكان فيدان هجوماً على فرنسا.
التشويش على الحوار
كان لافتاً أنّ الحملة الإعلاميّة ضد قوات سوريا الديمقراطيّة زادت حدةً بعد زيارة وفدٍ من إدارة هيئة تحرير الشام ضمّ وزير الخارجية أسعد الشيبانيّ والدفاع مرهف أبو قصرة ومسؤول جهاز الاستخبارات أنس خطاب إلى أنقرة في 15/1/2025. وزادت الضغوط التركيّة على دمشق، في مسعى لتجميدِ مشروع وزارة الدفاع لعرقلة توحيد الفصائل وإيقاف الحوار بين إدارة دمشق وقوات سوريا الديمقراطيّة.
بالتوازي مع الاشتباكات على جبهات ريف منبج وسد تشرين تم تداول أخبار مفادها دعوة المجموعات للاستنفار استعداداً لخوض القتال ضد قوات سوريا الديمقراطيّة، بعد انتهاءِ مهلةِ يومين افتراضيّة للتخلي عن السلاح في سياق عملية إعادة صياغة وتأسيس الجيش السوريّ. والحقيقة لم يُطلب من المجموعات الاستعداد. والدعوات اقتصرت على الاجتماعات العسكريّة بين الهيئة والمجموعات الحليفة لها فقط، والتي تتلقى التمويل من الهيئة وهي: الجبهة الشامية، أحرار صوفان وعولان، تجمع الشهباء، جيش النصر، الزنكي. وعمليّاً لم تقم أيّ مجموعة “فصيل” بأيّ خطوةٍ عمليّة للانخراط في وزارة الدفاع. وهناك حساسيّة إزاء هذه المسألة وخشية أن يتم تذويبها لهم في الهيئة وليس في جيش سوريا القادم. بل إن القياديّ في فيلق الشام المدعو منذر سراس الذي وعد بعد اجتماعه بأحمد الشرع بأنّه سيصدر بياناً في اليوم التالي ينضم بموجبه “فيلق الشام” إلى وزارة الدفاع، ورغم مرور أسبوعين لم يصدر أيّ بيان بهذا الصدد.
مقاومة تجاوزت حدودَ الخوفِ
بعد أكثر من شهر ونصف من الاشتباكات العنيفة على جبهات ريف منبج وسد تشرين عجز مرتزقة الاحتلال التركيّ عن تحقيق إنجازات ميدانيّة، وتحوّل سد تشرين إلى قلعة حصينة يحرسها مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية يرفدها آلاف المواطنين الذين يتوافدون إليها من مختلف مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، ليؤكدوا أنّ هذه القوات تمثلهم وتجسّد إرادتهم، وذلك في سابقةٍ نادرةٍ في الحروبِ الصراعات المسلحة، يحضر عشرات آلاف المدنيين إلى خطوط القتال في تحدٍّ للموت، ويمضون عدة أيام في ظروفِ الطقسِ الباردةِ مع وقع القصف الجويّ.
وإذ تدرك دولة الاحتلال التركيّ أهمية الرسائل التي يبعث بها الأهالي من خطوط القتال راحت تستهدفهم بالقصف المتعمد في محاولة لبثِّ الخوف في نفوسهم وإجبارهم على العودة، ورغم ارتقاء العديد من المواطنين شهداء وإصابة العشرات، إلا أنّ الأهالي زادوا إصراراً وتمسكاً بالبقاء ومواصلة المناوبة على السد.
الواقع لا يراهن الأهالي في صمودهم في منطقة السد على السويّة الأخلاقيّة لجيش الاحتلال التركيّ ومرتزقته، بل هو رهان على الإرادة مهما عظم الثمن، بعدما تجاوزوا كلّ حدود الخوف، وهذا آخر ما قاله الشهيد الفنان الكرديّ جمعة خليل “بافي طيار” موجهاً رسالة واضحة من موقع السد إلى دولة الاحتلال ومرتزقتها.
أمام هذه الحالة الأسطوريّة للمقاومة والصمود، والروح الفدائيّة راحت وسائل إعلام دولة الاحتلال التركيّ والمواقع الموالية لها تروّج لأخبار إنجازات وهميّة في مسعى لرفع معنويات المرتزقة والتأثير النفسيّ على مقاتلي قوات سوريا الديمقراطيّة وحاضنتها الاجتماعيّة، وتحدثت عن معارك واشتباكات وتحضيرات وأرتال كبيرة تتقاطر إلى موقع سد تشرين.
حربٌ في الفضاء الافتراضيّ
المعلومات المفبركة والأخبار الكاذبة والشائعات إحدى أهم أدوات الحرب الخاصة، ويجنّد لها طوابير تسمّى الجيوش الإلكترونيّة تستغل أحدث تقنيات العولمة ووسائل التواصل للتأثير على معنويات الخصوم وتهديد استقرار المجتمعات ونشر الفوضى وتأجيج التوتر في المجتمع وتعمّق الانقسام السياسيّ وإثارة النعرات الطائفيّة والعرقيّة. وتؤثر سلباً على أمن المجتمع ويتم تحريض الأفراد والجماعات ضد بعضها وتزيد من تعقيد الأوضاع في البلاد. وبالمجمل هي حربٌ مفتوحة لا أبعاد لها في الفضاء الافتراضيّ تستهدف كلّ المجتمع.
يهدف التضليل الإعلاميّ إلى توجيه الرأي العام نحو مفاهيم مغلوطة لا تتوافق مع الواقع، ويلقي التضليل الإعلاميّ بظلاله الثقيلة على سوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام، إذ تستغل أطرافٌ مختلفة الفراغ المعلوماتيّ لتحقيق مكاسب سياسيّة وتعتمد على كثافة الضخّ في الفضاء الافتراضيّ من حسابات مجهولة تتوالد بكثافة وتبنت استراتيجيات دعائية ممنهجة، واعتمدت على نشر روايات طائفيّة ومعلومات ميدانيّة مضللة بغاية رسم ملامح مشهدٍ سياسيّ أو اجتماعيّ يخدم أجندتها قد تسهم في تعزيز الانقسامات المجتمعية، وتزيد حالة الخوف واللايقين والقلق ويضرب الاستقرار، وتدفع إلى الفتنة وتعطل مسار الحلّ والحوار بين السوريين. ولا تنحصر المعلومات المضللة في الجانب العسكريّ بل تشمل جوانب مختلفة، بالترويج لفقدان مواد ضروريّة من الأسواق، وتسبب باحتكارها ورفع أسعارها.
ما يحدث ليس حالة طارئة، فمنذ بداية الأزمة في سوريا، تمَّ تداول العديد من المقاطع المصوّرة والصور، بعضها يعود إلى تواريخ قديمة أو لحوادث وقِّعت في أماكن أخرى في العالم أو تم التلاعب بالصور، وتم استخدامها في سياقات مضللة، وقد زادت وتيرة الحرب الإعلاميّة ضد الإدارة الذاتيّة بعد الإطاحة بالنظام السوريّ في 8/12/2024، ويتم اعتماد إعلام دولة الاحتلال التركيّ مصدراً أساسيّاً تُستقى منه المعلومات.




