محمد العز
قبل أكثر من نصف قرن من الآن كانت الأدوات التي تزين البيت الرقاوي والفراتي هي: “النضيدة”، وهي ما حُشِي من المتاع مثل: الدوشك، “الكاف يمنية مخففة وربما فارسية” واللحاف والوِسائد “مخاد”، والمنضود هو المرتب المضموم بعضه إلى بعض باتساق منسق، وكانت ربة البيت الرقاوية والفراتية ريفاً ومدينةً تقوم بنضد مفردات الأثاث فوق ما كان يسمى (بالدكة – الدجة) في اللهجة الفراتية، و”الدجة” ترتبط بالعصر الحجري لأنها كانت النموذج الأول الذي بناه الإنسان من مادة اللبن كي ينضد عليها أثاث بيته، ثم أنه في الفترة التاريخية قام بصنع “المنضاد” من مادة الخشب، إذ استعملته ربة البيت على النحو التالي: تغطي سطح المنضاد كاملاً بشرشف من (القماش أو باللبابيد)، ثم تضع فوقه بسط “العبيدي والرشواني والعجمي” ثم “الدواشك واللحف” وفي أعلى “النضيدة” “المخاد أو الوسائد”.
وكل هذه المفردات تكون ذات مقاسات وأوزان مختلفة وذلك حسب الوضع الاقتصادي لصاحب البيت و”الدوشك” يُدحى ويمد بـ/30/ جزة من صوف الغنم ضمن المتن الذي يُغطى بوجه من قماش (الدامسكو)، حيث تستعمل المرأة “الرقاوية” (المخاط) والمخاط تسمية محلية هو إبرة الخياطة الكبيرة يلفظ بتشديد حرف الخاء معروف منذ الألف الثالث ق.م. ومن يزور متحف “الرقة” يجده معروضاً في خزائن العرض المتحفي، ويستعمل في عملية تضريب وجه “الدوشك” وتضريب متن ووجه “اللحاف” الذي يدحى من أربع إلى ثلاث من جزز صوف الغنم. و(المخدة) على أنواع منها مخدة الصوف ومخدة القطن ومخدة الريش وبعضها تكون مطرزة بـ (القنويجا)، ومع الحداثة أصبحت المرأة الرقاوية تستعمل وسادات الاسفنج.
وفي العادة المرأة صاحبة البيت تعلق في غرفة “النضد” خرز أزرق اللون طرداً للعين والحسد والشرّ، وهي عادة معروفة منذ القدم. وعند البعض من ربات البيوت يستعملن النبات وغير ذلك من المفاهيم حتى وإن كانت من أصول وثنية.
كانت أغلب البيوت الرقاوية ذات أثاث بسيط وصناعته يدوية سهلة المنال والصنعة مما يتوافق مع الإمكانات المتوافرة في ذلك الزمان. وبعض ربات البيوت في “الرقة” يقمن بتطريز قطعة من القماش بالرسوم كي تغطي بها (دوشك) زوجها.. اليوم رغم التطور الحاصل مازالت أغلب البيوت الرقاوية والفراتية ذات أثاث خليط بين القديم والحديث.
إن أبرز محطات تطور الأثاث التاريخية من العصور القديمة والحضارات الأولى إلى نهاية النصف الأول من القرن العشرين الميلادي لكشف أسرار تطور عالم الأثاث واستشراف مستقبله المثير البداية مع تطور الأثاث في العصور السحيقة.
ذات مرة كتبت مقالة قصيرة عن كيف استطاع إنسان العصر الحجري الحديث صناعة آنية للطبخ من مادة الطين المشوي كونه كان بأمس الحاجة لمثل هذه الآنية. حينها قال ذلك الإنسان وجدتها وأنا قلت كما قال من قبلي آخرون “الحاجة أم الاختراع”. ليس من شك كانت الحاجة أم الاختراع في هذه الفترة، حيث استخدم إنسان تلك الفترة المواد الطبيعية المتاحة وهي، الخشب، والحجر، والعظام كونها المواد الصالحة لصنع أدواته وأثاثه البسيط، كالأسرة التي كان يصنعها من الأغصان والأوراق والمصطبات البسيطة من الخشب التي ينضد عليها أثاث بيته من فرش وأدوات الطعام. لكنه، أي إنسان العصر الحجري، قبل ذلك كان قد بنى “الدكة” أو (الدجة) من مادة اللبن المجفف تحت أشعة الشمس في غرفة من غرف بيته كي تنضدّ وتمد امرأته عليها أثاث منزلها، و”للدجة” عدة معان فإلى جانب “دجة النضد أو النضيدة” هناك “دجة” الحوش المعدة للجلوس في فناء المنزل، والتي مازالت مستعملة في زمننا المعاصر، مثل (دجة) ديوان مضافة (العجيلي) في “الرقة”، رغم أن مادة البناء هي من الحجر والأسمنت، والمعنى الآخر لمفهوم (الدجة) أنها المرتفع من الأرض ذات الانحدار الشديد مثل (دجة) ساعة “الرقة” و(دجة) مقصفها السابق. و(الدجة) بناء من اللبن أو الآجر أو الحجر، وتكسى عادة بالقماش أو السجاد أو البسط وتوضع عليها وسائد للراحة.
مع تطور الحضارة في “مصر وسوريا، بلاد الرافدين، اليونان وروما” شهد الأثاث تطوراً ملحوظاً. تم ذلك باستخدام المعدن إلى جانب الخشب والمعادن مثل البرونز كما استخدمت الجلود والعاج. أما في “اليونان وروما” كان التركيز على البساطة والأناقة.
كانت سمات الأثاث في العصور القديمة البساطة والعملية والتركيز على تلبية الاحتياجات الأساسية. في العصور الوسطى: اتسم الأثاث في هذه الفترة بالبساطة والمتانة، وكانت الأدوات مصنوعة من الخشب الصلب، وغالباً ما كانت متعددة الاستخدامات.
في العصر الإسلامي: ازدهرت صناعة الأثاث، حيث تميزت بالزخرفة الهندسية والكتابة، واستخدمت في صناعته مواد كالأخشاب الثمينة والعاج والصدف. وظهرت قطع جميلة مثل الكراسي الصغيرة والمخدات المطرزة. وسمات أثاث ذلك العصر تميز بالتصاميم البسيطة مع التركيز على المتانة وطول العمر.
وكانت سمات أثاث عصر النهضة قد تميز باستخدام مواد فاخرة مثل الرخام والبرونز والحرير والزخارف المذهبة وكلها تدل على الثراء والذوق الرفيع. في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين نجد أنهما تميزا بالتنوع في الأساليب، حيث ظهرت أنماط عصرية جديدة، وقد جاء الأثاث مميزاً بالتركيز على البساطة والخطوط المستقيمة والأشكال الهندسية.
وشهد القرن التاسع عشر الميلادي تطوراً عظيماً في صناعة الأثاث بظهور تقنيات جديدة، واتسم الأثاث في هذين القرنين بالتنوع بالأساليب والتصاميم يعكس المفاهيم السائدة والتغيرات الاجتماعية والثقافية.
في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي تميزت صناعة الأثاث في هذا القرن بالبساطة والوظيفية، ورفض الزخارف المبالغ فيها وركز على المضمون واستخدام مواد متنوعة.
لا شك أن صناعة الأثاث تأثرت بالثقافة والقيم الفنية، لذلك نقول: إن تطور الأثاث لم يكن مجرد رحلة تقنية ومادية، بل تأثر بشكل كبير بالعوامل الثقافية والفنية في كل عصر. والأثاث يعتبر مرآة للتاريخ والمجتمع، بالعودة إلى المجتمعات ذات البيئات الشبه صحراوية مثل “الرقة وباقي مدن الجزيرة السورية العليا” نجد أن أثاث البيت التقليدي المحلي قد استمد جذوره من العصر الحجري القديم، وقد أثبت سكان وادي (الفرات) خاصة المرأة مهارتهم في تصنيع أثاث بيوتهم المتمثل (بالنضيدة)، وقد شهد أثاث البيت (الفراتي) فيما بعد تطوراً صاعداً ولم يكن هذا التطور مجرد رحلة تقنية ومادية، بل تأثر بشكل كبير بالعوامل الثقافية والفنية، وتظل “النضيدة” جزء من الإرث الثقافي والتراثي من الماضي الجميل




