No Result
View All Result
د. مُهيب صالحة –
قُبيل تغريدة الرئيس الأمريكي رونالد ترامب بسحب قوات بلاده من شمال وشرق سورية، أطلق الرئيس التركي أردوغان جملة تهديدات باجتياح منطقة شرق الفرات وقتل ما وصفهم بالإرهابيين الكرد في خنادقهم، وبالتزامن جدّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمدة سنة المهلة المُعطاة لتركيا بتنفيذ التزاماتها في تفاهمات آستانا حيال المنطقة العازلة في محافظة إدلب ومصير هيئة تحرير الشام، النصرة سابقاً، والحزب الإسلامي التركستاني الأويغوري التابع لتنظيم القاعدة.
وقبلها وقعت جريمة مقتل الصحافي السعودي المقيم في الولايات المتحدة داخل القنصلية السعودية في إسطنبول التركية، ولو بدأنا من القضية الأخيرة، فإن السؤال/ الرد من قبل وليد المعلم وزير الخارجية السوري للصحفيين: من هو هذا الصحفي؟ يحمل في ظاهره تجاهلاً مقصوداً للجريمة وفي باطنه رسالة مشفرة إلى كل من السعودية وتركيا. إن تجاهل الحكومة السورية للجريمة يعني أن سوريا غير معنية بالهجمة الشرسة على السعودية التي تشنها تركيا، ومعها قطر وكل جماعة الإخوان المسلمين وتوابعها واشتقاقاتها. والرسالة المشفرة تعني أن موقف الحكومة السورية من الصراع التركي القطري الإخواني من جهة والسعودي الإماراتي المصري من جهة أخرى، مبني على مدى تقارب أي من طرفي الصراع معها في صراعها الداخلي مع شعبها، من الواضح أن الدول العربية الثلاث قد تلقفت الرسالة وأقدمت على ثلاث خطوات مهمة بالنسبة للحكومة السورية.
زيارة الرئيس السوداني عمر البشير لدمشق وهو حليف لهذه الدول في حربها ضد التحالف الحوثي الإيراني حزب الله في اليمن الحليف للنظام السوري، والرسالة التي حملها إلى الرئيس السوري المتضمنة طلب موافقة الحكومة السورية على انتشار قوات عربية محل القوات الأمريكية المنسحبة من منطقة شرق الفرات، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً لتركيا. إذ؛ أن انتشار قوات عربية لدول تختلف معها في ملفات المنطقة سوف يُعقد المسألة في منطقة شرق الفرات. إذا تم الانتشار بالتنسيق مع حكومة دمشق وحليفها الدولي روسيا لأنه عندئذٍ سيكون المقابل في اليمن تعويم اتفاق السويد بين الحوثيين والحكومة اليمنية المدعومة من التحالف العربي، وتحجيم الإدارة الذاتية في شرقي الفرات بالتحالف العربي. وفي هذه الحالة سوف ينكشف ظهر تركيا، أستانياً، من قِبل شركائها الروس والإيرانيين تجاه خططها وأطماعها في الشمال السوري. وبخاصة في منطقة الجزيرة السورية، وقد تتجه هذه الأطراف نحو مطالبة تركيا الانسحاب من الشمال السوري أيضاً وربما قدّمَ البشير نفسه كمقاول أنفار يزج بالجنود السودانيين في محارق المنطقة من أجل تعويم نظامه الذي يجلس على صفيح ساخن داخلياً.
والأخرى إعادة طرح عودة الحكومة السورية إلى الجامعة العربية سواء بالإعلام أو خلف الكواليس السياسية العربية، ولا سيما أن القمة العربية التنموية القادمة ستعقد في كانون الثاني ٢٠١٩ بلبنان الذي لا يزال بدون حكومة، وربما تكون دعوة الحكومة السورية إلى القمة الثمن الذي سيقبضه المحور الإيراني مقابل الإفراج عن حكومة سعد الحريري المدعوم سعودياً من قبِل حزب الله المدعوم إيرانياً. أو قد يمهد الحراك السياسي النشط لعودة سورية إلى الجامعة العربية قُبيل هذه القمة لاتفاق عربي يقضي بدعوة الرئيس السوري لحضور القمة العربية في شهر آذار ٢٠١٩ في تونس. وكل الكلام الذي يُقال في الإعلام السوري أن الجامعة العربية لا تهم الحكومة السورية هو من قبيل الاستهلاك المحلي، فالحكومة السورية تعتبر إعادة الكرسي لها في الجامعة العربية بداية تطبيع علاقاتها مع الدول العربية وتعويمها عربياً بما يسهل تعويمها دولياً بعد الانسحاب العسكري الأمريكي.
أما الثالثة فهي لم تكن العلاقات الإماراتية السورية قط منقطعة، بل حافظت الإمارات على علاقات اقتصادية قوية مع دمشق وربما علاقات سياسية قوية أيضاً. لكن؛ تحت الطاولة، ومما لا شك فيه أن هذه العلاقات لا تخرج عن خاطر السعودية ودول الخليج الأخرى لكي تبقى النوافذ مُشرعة يستطيع النظامان السعودي والسوري الاقتراب منها عند اللزوم. وقد سرعت التغييرات المهمة في المسألة السورية بنتيجة تفاهمات آستانا التي غيّرت موازين القوى على الأرض وحصرت نشاط المعارضة الإسلامية المسلحة في الشمال السوري بإشراف تركيا، والهجمة التركية الإخوانية على السعودية بسبب جريمة تصفية الخاشقجي، وانفضاح الدور التركي في دعم الجماعات الإسلامية المتطرفة وتزويدها بالسلاح سواء في سوريا أو في ليبيا أو في سيناء ـ سرّعت بإخراج العلاقات الإماراتية السورية من تحت الطاولة إلى فوقها بعد فتح السفارة الإماراتية في دمشق. وربما سيفتح هذا الإجراء بداية عودة العلاقات الخليجية السورية وبخاصة بين النظامين السعودي والسوري وعودة العلاقات العربية السورية. إن تلاقي إستراتيجية التحالف العربي مع إستراتيجية الحكومة السورية ضد جماعات الإخوان المسلمين المدعومين تركياً يشكل مفصلاً مهماً في ميكانيزم روافع ونوازل التناقضات والتقاطعات الإقليمية يمكن تحريكه من زاوية القبول، إقليمياً ودولياً، بحكومة الرئيس الأسد في أية تسوية سياسية مقبلة للمسألة السورية، دون أن يعني ذلك انتهاء اللعبة لمصلحة النظام السوري لأن كل شيء في السياسة يتغير، ولأن الانسحاب الأمريكي من الشمال السوري يقتصر على عدد محدود من القوات قياساً لحجم قواتها المنتشرة في المنطقة والتي يمكنها التدخل في المسألة السورية عندما تقتضي مصلحة الإدارة الأمريكية ذلك. عدا عن كون الانسحاب العسكري لدولة عظمى من سورية لا يعني انسحابها السياسي طالما مصالحها الشرق أوسطية كثيرة ومعقدة تمتد من أفغانستان شرقاً وحتى المملكة المغربية غرباً، وتحميها عسكرياً قوة ضاربة ومنفلتة من عِقالها هي إسرائيل وقواعد عسكرية في تركيا والخليج العربي والمحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط. إذاً، لقد سمح قرار ترامب للحكومة السورية القيام بمناورة سياسية تكتيكية تغازل من خلالها الأنظمة العربية المتضررة من سياسات تركيا العربية على قاعدة مبادلة المصالح في المنطقة. والمناورة مع تركيا لإعادة السيطرة على منبج ومنطقة شرق الفرات.
إن إعلان الرئيس الأمريكي سحب قواته من شرقي الفرات يخفي في طياته جملة إغراءات لتركيا من ضمنها إدارة الشمال السوري، في شرق وغرب الفرات، والقضاء على أية طموحات كردية هناك، وهذا بحد ذاته لا يتناقض مع طموحات النظام السوري بإعادة المنطقة إلى سيطرته وفق شروطه التي أعلن عنها في جولتين للمفاوضات بينه وبين مجلس سوريا الديمقراطية. ومن جهة ثانية؛ فإن أية علاقة ستضع الحكومة السورية في مواجهة تركيا في المنطقة لن تتجاوز حدود اتفاق أضنة لعام ١٩٩٨ الذي يسمح في الملحق رقم ٤ لتركيا باتخاذ جميع الاجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية حتى عمق ٥ كم لملاحقة من تصفهم الحكومة التركية بالإرهابيين الكرد، مما يعني، في نهاية المطاف، قبول تركيا تسليم مناطق شرقي الفرات للحكومة السورية في إطار أي تفاهم بين الدول الضامنة في آستانا التي يشارك فيها كل من الحكومة السورية ومعارضتها الإسلامية السياسية والمسلحة الخاضعة لتركيا.
إن منطقة منبج الواقعة غرب الفرات هي البوابة الغربية لمنطقة الإدارة الذاتية شرق الفرات، التي تُمنّي تركيا نفسها بالدخول من خلالها القوات التركية والحليفة من المعارضة الإسلامية المسلحة إلى شرق الفرات. لذلك؛ يقرع أردوغان طبول الحرب لاحتلال منبج مع الإعلان عن تأجيل اجتياح شرق الفرات. وفي سياق خلط الأوراق هناك استعادت قوات النظام السوري بعض مواقعها السابقة التي تخلت عنها هي وحليفها الروسي في السابق مع احتلال تركيا لعفرين. فمن جهة يريد النظام السوري الضغط على قوات سوريا الديمقراطية ومجلس منبج العسكري لإعادتهم إلى حضن النظام، ومن جهة ثانية تريد توجيه رسالة إلى تركيا مفادها أن أية ترتيبات أمنية وعسكرية في الشمال السوري من منظور أمنها القومي لن تكون إلا معها.
وفي الحالتين الخيارات الممكنة للإدارة الذاتية بجناحيها السياسي والعسكري محدودة، فإما التفاوض مع الحكومة السورية عبر حليفها الروسي لتسوية وضع منطقة الجزيرة ومنبج بالحدود الدنيا سياسياً، التي تعترف بحقوق المكونات هناك وخاصة المكون الكردي، أو تجميده بدخول الجيش السوري إليها لحفظ أمن الحدود مع تركيا مع بقاء الإدارة الذاتية في المناطق المأهولة إلى حين تتم التسوية العامة للمسألة السورية عبر خارطة طريق دولية أو عبر الحوار الوطني إذا اقتنعت به جميع الأطراف، وبصفة خاصة النظام السوري، كوسيلة وحيدة لإطلاق حلول وطنية لجميع الملفات، ومن ضمنها ملف حقوق الأقليات الإثنية وفي جميع الخيارات ليس أمام الإدارة الذاتية سوى المقاومة السياسية والعسكرية إن دعت الحاجة لمواجهة أية أطماع تقضي على طموح مكوناتها الإثنية بسورية عَلْمانية ديمقراطية لا مركزية.
إن تهديدات حكومة العدالة والتنمية التركية المتكررة لاجتياح ما تبقى من الشمال السوري بحجة أمنها القومي ما هو سوى تطمينات للجمهور التركي للفت أنظاره عن المشكلات الداخلية، التي قد تزعزع أركان المشروع التركي الإخواني، وفي الوقت ذاته تحقيق أطماعها الاقتصادية والجيوسياسية التي لا تخفيها التصريحات المتكررة للقيادة التركية، وأيضاً من قبيل الضغط على الاتحاد الأوروبي لتخفيف ضغوطاته الاقتصادية والمالية على تركيا التي اقتربت مديونيتها الخارجية إلى نحو ٤٥٣ مليار دولار بما يعادل ٥٥ بالمائة من ناتجها المحلي، منها ١٧٩ مليار دولار تستحق الدفع حتى منتصف عام ٢٠١٩ وتعادل نحو ربع الناتج المحلي التركي مما قد يؤشر إلى مخاطر حدوث انكماش حاد في الاقتصاد التركي، وما قد يؤول إليه اجتياح تركيا لمنبج وللجزيرة السورية من نزوح آلاف المواطنين باتجاه أوروبا. أما الصمت السوري، بما فيه صمت النظام السوري وصمت المعارضة السياسية الخارجية، حيال هذه التهديدات فلا يُفهم إلا من قبيل إذعان الطرفين لاتفاقات وتفاهمات آستانا التي ترعاها روسيا وتغطيها الولايات المتحدة الأمريكية وتُعتبَر تركيا فيها بيضة القبان، التي توازَنُ بها توازنات المصالح الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط كون تركيا ترتبط بشبكة علاقات واسعة مع جميع الدول المتدخلة والفاعلة في المسألة السورية، ويُراد من تحريك الجماعات الإسلامية المسلحة المجمعة في محافظة إدلب وشمال حلب في معارك تركيا المحتملة في منبج غرب الفرات أو في مناطق سوريا الديمقراطية شرق الفرات خلط الأوراق في المنطقة ووضع قوات سوريا الديمقراطية والجماعات الإسلامية المعارضة في مواجهة بعضها البعض، وفي ذلك مصلحة مشتركة لأطراف آستانا الضامنة. وما عدا ذلك؛ فإن خفايا الصمت السوري من التهديدات التركية لا تتعدى كونها محاولة ربما الأخيرة في عملية عض الأصابع بين الطرفين السوريين المتصارعين من أجل تحسين شروط واشتراطات كل منهما في أية عملية تفاوضية ترعاها الأمم المتحدة من جديد، والتي ما من شك ستكون على حساب الشعب السوري ما لم تكن مسبوقة بحوار وطني منتج تؤدي إلى الوصول للحلول اللازمة لإنهاء الصراع في سوريا.
No Result
View All Result