حنان عثمان _
الأساطير الأولى توضح لنا بجلاء، وبلغة عصرها، أن أول صراعٍ كان قد نشب بين الرجل الطامع في أن يكون إلهاً متعالياً، وبين المرأة الأم التي حصلت على ألوهيتها الطبيعية من تقديس المجتمع لها.
ولعل أساطير الخلق البابلية خير مثال على ذلك. لكن؛ هذا الصراع، ينظم الرجل فيه نفسه مع الوقت، مستفيداً من مَلَكةِ الصيد والقتل وتطوُّر الذكاء التحليلي لديه، ليتغلب بعد نزاعاتٍ مريرةٍ على المرأة المتشبثة بذكائها العاطفي وبالأرض، وليستولي في نهاية الأمر على “ماءاتـها” المائة والأربعة، أي على اكتشافاتها واختراعاتها. وقد انتهى هذا الصراع بتهاوي مكانة المرأة لتصبح “عاهرة” في المعابد السومرية، بعدما كانت “إلهة معبودة” تُصنَع لها التماثيل، وتُخَطُّ لها الرسوم على جدران الكهوف. وفي هذا الصدد يقول المفكر الكردي عبد الله أوجلان “يجب استيعابُ دورِ المرأةِ ـ الأمِّ بأفضلِ صورة، من حيث كونِها أولَ مُعَلِّمٍ في المواضيع المتعلقةِ باكتشافِ النباتات، وتدجينِ الحيوان، وصنعِ الجِرَار الفخارية، وآلاتِ النسج، والطاحونة، وبناءِ المنزل، وبيوتِ القداسة. لقد أَصَرَّت الإلهةُ الأم إينانا بعنادٍ في معمعانِ نزاعها مع أنكي، على أنها هي صاحبةُ الاكتشافاتِ العظمى (الماءات) المائةِ والأربع، وأنه سَرَقَها منها. كلامُ إينانا هذا يشيرُ بكلِّ وضوحٍ إلى حقيقةِ أنّ المرأةَ هي القوةُ المبدعةُ الأولى في العديدِ من المجالات. أي أنّ أغلبَ الاكتشافاتِ حصلَت على يدِ المرأةِ ـ الأم، وأنّ الرجالَ الحكّام سرقوها منها”.
وإذا ما بسَّطنا الأمرَ أكثر، يمكننا القول: إنه باكتشاف المرأة للزراعة، والتي كانت بمثابة ثورة عظيمة للبشرية، أصبح هناك المزيد من تقديس الأنثى، فكان الرجل حتى ذلك الحين مجردَ انبعاث من انبعاثات الإلهة الأنثى.
ولدى الانتقال إلى المجتمع الزراعي، الأمر الذي تَطَلّب تدجين الحيوانات وتأمين التنظيم والاستقرار الداخلي، تعرَّفَ الرجل على دوره في عملية الإنجاب، وأدرك أنه فاعلٌ أساسي في هذه العملية. وقد شكَّل هذا الاكتشافُ الضلع الأول في ثالوث الانقلاب الذكوري على المرأة، فأصبح لدى الرجل وعي وإدراك لأنه يعلو على المرأة، وأنها لا شيء من دونه، لأنه هو مَن يتسبب في حياةٍ جديدة (من خلال رحم المرأة)، وأنه بالتالي، يجب عليه أن يجردها من القدسية التي طالما تمتعت بها.
ومن خلال الاعتماد على الجهد العضلي الضروري جداً في الزراعة، استطاع الرجل السيطرة على العملية الإنتاجية، ومن ثم على تراكم الفائض؛ ما أدى إلى بدء ظهور الفوارق الطبقية، والنزوع إلى المُلكية الفردية، وتحوُّل المرأة أيضاً إلى مُلك خاصّ للرجل.
من هنا، كانت إعادة التفكير لدى الرجل في النسب الأمومي، بمثابة الضلع الثاني من الثالوث، واللبنة الأساسية في بناء النظام الأبوي، فجاء بقوننة الزواج للتأكد من عفافة وطهارة الزوجة كضمان للنسب الأبوي، فسُنَّت بذلك القوانين لصالح الأب كممثل للإله – المَلك. فكيفما هو الحاكم على عرش السلطة العامة، فإن الرجل ـ الأب، هو الإله المَلك المسيطر على المرأة في المنزل كمساحة خاصة.
أما الضلع الثالث، فكان الحرب والغزو. فقبل حقبة الزراعة بعشرات الآلاف من السنين، كان هناك قتال على نطاق ضيق بغرض القنص أو درء الأخطار، إلا إنها تميزت بكونها عمليات عنف مؤقتة. لكن، وعندما استقر المجتمع وأصبح الرجل “رب الأسرة”، صار الطمع يصل لمستوى الغزو، فاتسعت رقعة الحروب بهدف النهب والاستيلاء على الإنتاج.
ومع ظهور النخب العسكرية الرجولية، تم استرقاق النساء، فكانت تلك أولى عمليات الاسترقاق في التاريخ، وكانت المرأة عندما تسترَقُّ يتم الاعتداء عليها جنسياً، وبالتالي إن حملت فسترتبط بالمعتدي وتخضع له، فكان هذا الاسترقاق هو الذي أسس فيما بعد للدعارة التجارية، والتي سارت بالتوازي مع بدايات تشريع الزواج الأحادي.
من هنا ظهرت الشرائع الأولى، التي تحكمت بجنسانية المرأة من خلال تشريعات الزنا، وسلَّمت الزوج قانونياً وكسلطة نافذة زمامَ التحكم في مصير وحياة الزوجة. فكانت العقوبات مشددة وقاسية، تظهر فيها سلطة الزوج بوضوح، فمُنع تعدد الأزواج للنساء، بهدف سحب خط النَّسَب لطرف الرجل، وظهر قانون الحجاب، على أساس الفرز الطبقي، وعلى أساس خدمات المرأة الجنسية.
ومع الوصول إلى العصر الحديث، بات الجميع يتفقون على أن تبعية المرأة تنبع أصلاً من الحتمية البيولوجية، وأن اختلافها البيولوجي هذا هو سبب ضعفها ودونيتها، بدلاً من اعتباره أساس الحياة ودافعاً للمساواة بين المرأة والرجل. من هنا كانت حكاية “تاريخ المنتصرين” المدوَّن، و”تاريخ المرأة المشرّف” الذي لم يُدَوَّن بعد!