No Result
View All Result
بدرخان نوري_
من الغرابة بمكان أن تتصاعد أعمال العنف ضد اللاجئين السوريين وتتعرض أملاكهم للتخريب وتزداد حدة خطاب الكراهية ضدهم، وتنتقل الأحداث بعنفٍ أكبر إلى المناطق السوريّة التي تحتلها تركيا، فيما تدعو حكومة العدالة والتنمية على أعلى المستويات للتصالح، وبتجميع مفردات المشهد، فالرسالة مقتضاها أنّ تركيا لم تعد آمنة للسوريين والمسار التصالحيّ ماضٍ إلى خواتيمه، وفتح الطرق والمعابر، هو البداية وسيتم تجاوز عقبات العملية ورافضي التصالح بفرض الخوف عليهم ودفعهم إلى خيار اللا خيار.
تسريبات تُثير القلق
كانت قضية المعابر والطرق الدوليّة أحد أسباب إطالة الأزمة السوريّة وتعقيدها، كما أنّها ساهمت بمضاعفة معاناة الأهالي، وتم الاتفاق حولها في إطار أستانة، واليوم مع زيادة زخم الحديث عن التصالح بين أنقرة ودمشق بمبادرة عراقيّة، ومسعى لعقد اجتماع في بغداد، تم تمرير جملة من البنود دون تبنٍ رسميّ لها والتي ستشكل خريطة طريق للتصالح، وتتضمن كبداية افتتاح معبر أبو الزندين بشكلٍ تجريبيّ، لتكون البداية بعنوان اقتصاديّ للوصول للتطبيع السياسيّ.
عفرين المحتلة تأخذ حيّز الاهتمام الأكبر في السياسة الاحتلاليّة التركيّة، وتشمل التفاصيل المتعلقة بعفرين ومحيطها الجغرافيّ تسليم معبر باب السلامة وأوتوستراد عينتاب – حلب مع حرم الطريق بعمق 5 كم دون وجود للمرتزقة، ما يعني ضمناً تسليم مدينة إعزاز والقرى المحيطة بحرم الطريق إلى دمشق، وكذلك تسليم خط الغزاوية – ترندة، بما فيها دارة عزة بريف حلب الغربي، وتسليم معبر الحمام، ومدينة جندريسه وبعض قراها. ويتضمن الاتفاق انكفاء جيش الاحتلال التركيّ ومرتزقته إلى الشريط الحدوديّ، بدءاً من مركز ناحية شيه مروراً بمراكز نواحي راجو وبلبلة حتى قريتي قسطل جندو وبافليون. على أن يتم تقليص قوام المرتزقة الذين تسمّيهم أنقرة “الجيش الوطنيّ” إلى 15 ألف شخص، يتم جمعهم في ملاك “لواء” واحد يشرف عليه جيش حكومة دمشق تحت طائلة ترحيل الرافضين في مهمات خارجيّة (ليبيا، النيجر). كما سيشكّل لواء آخر بإشراف إيرانيّ للمتخلفين عن الخدمة الإلزاميّة ما لم يدفعوا بدل الخدمة خلال ستة أشهر.
سيسمح للقوى الأمنيّة التابعة لحكومة دمشق بالدخول إلى المناطق المحتلة على أن تستمر مؤسساتُ الاحتلال التركيّ بالعمل وكذلك التعامل بالعملة التركيّة. وسيتم إنشاء نقاط مراقبة مشتركة روسيّة ــ تركيّة في إعزاز وعفرين ومارع ونقاط مشتركة إيرانيّة ــ تركيّة في الباب والراعي وجرابلس، مع تعاون استخباراتيّ تركيّ ــ سوريّ.
مصدر هذه التسريبات هو من الجانب التركيّ، وهي تطيح بكلّ آمال ما تسمى بالمعارضة السوريّة وتعلن بوضوحٍ إنّ اللعبة انتهت، والغاية من هذه التسريبات إثارة القلق والخوف، ولذلك فدافع التظاهر هو الخوف وليس الغضب.
وتتطلع أنقرة إلى مكاسب اقتصاديّة بفتح المعابر وتنشيط حركة التجارة والتصدير إلى دول الخليج وتخفيف الأزمة الاقتصاديّة، وكذلك إعادة أكبر عدد من اللاجئين السوريين باسم العودة الطوعيّة. ولكن العائق المحتمل لمسار التصالح وتنفيذ خطواته هو احتمال اندلاع حرب في جنوب لبنان، أما الموقف الشعبيّ الرافض في المناطق المحتلة؛ فإنّ أنقرة تعتقد أنّه لن يكون مؤثراً ويمكن احتواءه.
تسريب معلومات حول اللاجئين
فهمُ توقيت الحدث مدخلٌ أساسيّ لفهم الحدث نفسه، ومستحيل فهم الحدث بعزله عن سياقه الزمني والظرفيّ. ومفتاح ذلك طرح السؤال لماذا في هذا التوقيت؟ ما سبب التزامن بين الاعتداء على لاجئين سوريين في تركيا ووقوع أحداث عنف في سوريا واحتواء تلك الأحداث بالقبضة الأمنيّة، وفي هذا الوقت تسربت معلومات حول اللاجئين السوريين تشمل تفاصيل عنهم، ثم التناقضات في تفسير ذلك، فمن قائل إنّ المعلومات صحيحة، وآخر قال إنّها مضللة مفبركة. وتم نشر تلك المعلومات عبر تطبيق تلغرام.
السلطات التركيّة قالت إنّها ستجري تحقيقاً بشأن تسرب المعلومات، وأعلنت إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونيّة في تركيا اكتشاف حساب على وسائل التواصل الافتراضي يحمل اسم yaklanış#Türkiye (انتفاضة تركيا) قام بنشر دعوة للتظاهر في منطقة “سلطان بيلي”، وأنّ صاحب الحساب فتى يافع عمر 14 سنة، يُدعى E.P وأنّ إدارة شرطة الأطفال في إسطنبول اتخذت الإجراءات القانونيّة اللازمة بحقه.
الرواية الرسميّة سطحية جداً، ويصعب تصديقها، إذ يفترضُ أنّ السلطات التركيّة وحدها تحتفظ بقاعدة البيانات التي يدب أن تُحاط بالسريّة الكاملة، وغير قابلة للتداول والوصول إليها، إلا وفق أطر قانونيّة وما تقتضيه الضرورة الأمنيّة والخدميّة.
من البديهي أنّ التصالح بين أنقرة ودمشق يتطلب في الحدِّ الأدنى تبادل بعض الملفات، وملف اللاجئين السوريين سيُنقل إلى عهدة حكومة دمشق، إلا أنّ ذلك سيكونُ مُحرجاً للحكومةِ التركيّة التي لم تنفك تتحدث عن دعم السوريين على أراضيها والمناطق التي تحتلها.
من جهة كانت الأحداث في قيصري عنيفة وأثارت الخوف والهلع بين اللاجئين السوريين على حياتهم وأملاكهم. والاحتجاجات في عفرين وغيرها أفضت إلى مقتل وإصابة المحتجين، وأعقبتها حملة اعتقالات، وصدرت الأوامر لإطلاق النار في حوادث قادمة مشابهة والنتيجة تكريس خوف بأنّ الاحتجاجات القادمة لن تمر دون محاسبة.
تسريب المعلومات الشخصية، وتعميمها، عزز القناعة لدى اللاجئين السوريين أنّهم مكشوفين حيث هم، ويمكن الوصول إليهم، وهو بالوقت نفسه يرفع الحرج عن الحكومة التركيّة بأنها تبادلت المعلومات مع دمشق، ليكون هذا الحادث الافتراضيّ هو المتهم ما سيعزز الخوف لدى اللاجئين السوريين.
لو سُئل أيّ سوريّ لاجئ في تركيا، عن سبب لجوئه إلى تركيا، لأجاب من غير تردد: إنّه الخوف، وسيكونُ الخوفُ عامل إعادته، لكن الأمر يحتاج مزيداً من الوقت.
اجتماع لتسكين الخوف
اجتمع منسق الاستخبارات التركيّة بشمالي سوريا “باشقان سامي”، الأحد 7/7/2024، مع أكثر من 100 شخصاً من متزعمي مجموعات المرتزقة الموالية لتركيا في مدينة إعزاز باستثناء “الحمزات وسليمان شاه والجبهة الشامية”.
ونقلت وكالة نورث برس” عن مدير مركز إعزاز الإعلامي عبد القادر أبو يوسف، أن الاجتماع ضم أكثر من 100 شخصاً من متزعمي مجموعات المرتزقة وأشخاص آخرين مع منسق الاستخبارات التركيّة لمناقشة الأحداث الأخيرة في المنطقة. وأبدى الحاضرون خشيتهم مما ستؤول عليه الأمور في حال نجاح التطبيع إلا أنّ الأجوبة على الأسئلة المطروحة كانت مختصرة من الجانب التركيّ، واكتفى بتأكيد أنّهم لن يتخلوا عن هذه المجموعات وسيتولون حمايتها وضمان سلامة الجميع، دون تعهد بإجراءات عمليّة.
وفي الاجتماع تم تداول الحديث حول سوء الوضع في المناطق المحتلة التي يديرها والٍ تركيّ، وعن المشاكل التي تعيشها. إلا أنّ الاجتماع لم يخرج بوعود حقيقيّة وفعلية، ولا حتى بوعود لإشراك ممثلين من مناطق التي الخاضعة للاحتلال ممثلة بمجموعات المرتزقة في الاجتماعات السورية التركية المقبلة بعد مطالبتهم بها.
تهديد وتخويف
هددت مجموعات مرتزقة بقتل سائقي الشاحنات التابعة للاحتلال التركي الذين ينقلون البضاعة إلى مناطق حكومة دمشق مروراً بالمناطق المحتلة، وسط تداول الإعلام الاحتلال التركي بأنّ عناصر من داعش يهددون سائقي الأتراك بالقتل في شمال غرب سوريا.
وصرّح الرئيس التركيّ أردوغان في 5/7/2024 بأنّ عناصر “داعش” يعارضون التطبيع والتصالح مع حكومة دمشق، وفيما أراد أردوغان الإيحاء بأنّ كل المجموعات التي خرجت ضد سياسة ووجود الاحتلال التركيّ في 1/7/2024، متهمون بانتمائهم إلى “داعـش” الإرهابي، فإنّه اعترف من حيث لا يريد بوجود عناصر “داعش” في شمال سورياً وتحديداً في المناطق تحتله قواته والتي يصفها آمنة ومحررة، وبذلك فإنّ تهديد سائقي الشاحنات جاء ليؤكد ما قاله أردوغان.
وسبق أن هدد الثلاثاء 2/7/2024، جميع السوريين الذين اعتدوا على العلم التركيّ في مناطق عدة في شمالي وغربي سوريا وقال الرئيس التركي في كلمة بعد اجتماع الحكومة: “أنقرة تعرف كيف تكسر الأيادي القذرة التي تطال علم بلادنا”، ووصف الأحداث الجارية بـ”المسرحية” واتهم جهات وتنظيمات انفصاليّة بالوقوف وراءها. وأضاف: “لطالما أنّ هناك جهات توجه أسلحتها نحو بلده، فسيستمرون في ضمان أمن بلدهم وأمتهم”.
وأعلن وزير العدل التركي يلماز تونج، الثلاثاء، فتح تحقيق على خلفيّة “إهانة” علم بلاده في مناطق بريف حلب الشمالي على الحدود بين سوريا وتركيا.
وقال وزير الدفاع التركيّ عبر حسابه على منصة “إكس”، إنّه سيتم فتح تحقيق بشأن حادثة الاعتداء على العلم التركيّ التي ظهرت في مقاطع مصورة انتشرت على مواقع التواصل الافتراضي.
اعتقالات وتحكّم بالمعابر
بعد أحداث العنف والاحتجاجات، نفذت الاستخبارات التركيّة بالتنسيق مع “الشرطة العسكرية” حملة اعتقالات واسعة بحق متظاهرين في المخيمات المنتشرة قرب قرية سجو بريف إعزاز بتهمة الإساءة إلى العلم التركيّ، وأغلب المعتقلين هم من أبناء محافظة حمص والغوطة الشرقية، ونُقلوا إلى مركز الاستخبارات التركيّة في حوار كلس بريف إعزاز.
وسلّمت الاستخبارات التركية قائمة تضم نحو 35 شخصًا، بينهم مرتزقة من “حركة أحرار الشام” الموالية لتنظيم «هيئة تحرير الشام» بتهمة الإساءة إلى علم الدولة التركية وإحراق الشاحنات التركية، وتم تعميم الأسماء على حواجز “الشرطة العسكرية” في المناطق المحتلة بريف حلب الشمالي.
استأنفت المعابر الحدودية بين تركيا وسوريا العمل أمام الحركة التجارية فقط بشكلٍ تدريجي صباح الاثنين 8/7/2024، بعدما أغلقتها سلطات الاحتلال كعقاب جماعي لأهالي المناطق المحتلّة. واستؤنفت حركة المرور في معابر جرابلس والراعي بريف الباب وحمام بريف عفرين والسّلامة بمنطقة إعزاز. بالتوازي مع إغلاق المعابر قُطعت شبكات الإنترنت والاتصالات، وتوقفت خدمات البريد التركيّ PTT، ما انعكس بشكلٍ سلبيّ على حياة السكان، وأُعيدت خدمة الإنترنت منتصف ليلة الأحد.
جملة هذه الإجراءات أكدتِ المؤكد، وقد تضمنت الاعتقالات والخدمات العامة والمعابر، ويراد بذلك أنّ سلطات الاحتلال تتحكم بتفاصيل الحياة، ويمكنها اتخاذ إجراءات العقوبة الجماعيّة.
نريد أن يُعاملوننا كبشر
المتحدث باسم المجلس الإسلاميّ السوريّ مطيع البطين تحدّث عما يجري للاجئين السوريين في تركيا، ولعله قال أشياءً وحبس في نفسه أشياءً كثيرةً، وغلبته دموعه على الهواء خلال حديثه على “قناة سوريا” وأشار إلى عدم ثقة السوريين بمجموعات المرتزقة وما تسمى بالمعارضة. وما أفضى به البطين يعكسُ أشكال مختلفة من الخوف.
وذكّر البطين بشعارات المهاجرين والأنصار لدى استقبال اللاجئين السوريين وقال: “الآن لا نريد لاجئين وأنصار نريد أن يعاملوننا كبشر، نريد ألا نُظلم! هناك حالة من القهر، الظلم الذي يجري لا يمكن أن يُقبل، هل يقبل الأتراك أن يُظلم اللاجئون الأتراك في ألمانيا؟ وتساءل: هل يوجد سكين أرحم سكين؟”.
وذكر مطيع البطين أن الناس يظنون أنّ المجلس الاسلاميّ في منأى عن تلك المعاملة، لكن عضواً في “المجلس الإسلاميّ السوريّ” وأحد كبار علمائه أوقفه عنصريّ تركيّ في الطريقِ وصفعه على وجهه مرتين، ووصف البطين الحادث: “لا يوجد قهر أكبر من هذا القهر”. وأضاف “الشعب السوري لا يثق بالمجموعات ولا يثق بمن عيّنتهم الحكومة التركية ولا يثقون بالمعارضة لأنّهم يعلمون، أنّ هذه المعارضة لا تملك من أمرها شيئاً، وهذا جوهر المشكلة في البلد الذي نعيش فيه، وكلُّ دولة تعيّن معارضة على هواها وهذه منصات وليست معارضات”.
رفض التطبيع وحل ما يسمى بالائتلاف
بعد قمع الجيش التركي للمظاهرات ومقتل وإصابة العشرات وموجة الاعتقالات التي طالت المتظاهرين، أخذ الاحتجاج شكل الاعتصام، في مدينة إعزاز، ويشارك في الاعتصام شبان وممثلون عن نقابة المحامين وشيوخ عشائر، في ساحة “فيوتشر” وسط مدينة أعزاز.
ومساء الأحد 7/7/2024، طالب المعتصمون بحل ما يسمى بالائتلاف السوري المعارض ومؤسساته بسبب دورهم “الضعيف” إزاء ما يتعرض له اللاجئون السوريون في تركيا، وحوادث إطلاق النار على المحتجين من قبل الجيش التركي.
وقال المحتجون إنّ تركيا “تستغل قضيتهم من أجل تمرير مصالحها والتصالح مع حكومة دمشق لمحاربة الكرد في شمال سوريا”. وإنهم بحاجة إلى معرفة مستقبل مناطقهم وأنّهم متخوفون من تسليمها إلى “دمشق” لاسيما وأن الجانبين سلّما مناطق لبعضهما برعاية روسية.
ورُفعت في مكان الاعتصام لافتة كبيرة تحمل مطالبهم، وتطالب بفتح تحقيق بحوادث إطلاق النار التي أودت بحياة متظاهرين، ومحاسبة الفاعلين. وجاء على اللافتة أن الاحتجاج ضد التطبيع مع “دمشق” وضد فتح المعابر. وجاءت جملة على اللافتة اعتبرت أن “تركيا حليف للشعب السوري على أن يبقى الجيش التركي في القوات العسكريّة ولا تتدخل في شؤون وإدارة المنطقة”.
كما خرج المئات يوم الأحد وسط مدينة إدلب، للتعبير عن غضبهم من تصريحات الرئيس التركيّ أردوغان، حول التقارب مع دمشق بوساطة روسية. ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها “إذا كنت تريد التقارب مع الأسد فهنيئًا لك لعنة التاريخ” و”نحن أيضًا لا توجد أيّة مشاكل في التواصل مع جيراننا الأكراد” و”ما حدا وكلك تحكي عن أطفال سوريا”.
يشكّل الخوف طرفي المعادلة السوريّة، داخل الحدود وخارجها، والأسوأ أنّ السوريين أمام مفاضلة واختيار أدنى مخاوفهم، فالخوف الذي أخرجهم من البلاد قد يُعيدهم، ولكنَّ خوف المرتزقة مضاعفٌ، فالقضية ليست مجرد عودة، بل هي الخشية من المساءلة من قبل طرفٍ كان مجردُ تصور بقائه مستبعداً بالنسبة لهم!
No Result
View All Result