حسن خوندي_
لم يكن من السهل إيقاظي من النوم صباحا، فكانت أمي تستعمل وسائل الترغيب في التقبيل والمداعبة والدغدغة قبل أن تلجأ الى الترهيب كرفع الغطاء وفتح الستائر وإحداث الجلبة…
ثم يبدأ يومها الروتيني، وعلى غير عادة نساء الحي ما كانت أمي لتخرج من بيتها إلا بكامل أناقتها، حتى ولو إلى أقرب دكان، وكذلك هو الحال حين كانت توصلني مشيا على الأقدام إلى مدرستي القريبة، أذكر أنها كانت تعيد النظر مرات ومرات إلى ثوبها المكوي النظيف تحضيرا لرحلتنا القصيرة. كانت تحمل شنطتي بيد، وزوادتي اليومية باليد الأخرى، أما أنا فكنت أتعلق بطرف ثوبها متمسكا به بقوة؛ كي لا أضيعها. وبالرغم مما كانت تفعله يداي الصغيرتان بفستانها في ترطيب، وتعرق، وجعلكة، إلا أنها كانت تودعني بابتسامة عريضة، وقبلة كبيرة على خدي.
في حفل زفاف ابن أخي وكانت قد قاربت الخمسة والثمانين من العمر، وأصابها بعض من الزهايمر، كنت أهم بمساعدتها على النهوض من كرسيها فتشبثتْ بقوة ببذلتي الرسمية السوداء، تجنبا للوقوع. فارتبكتْ وتوترتْ ونظرت إليّ نظرة اعتذار، عما لحق ببذلتي من أذى، اقتربت منها وابتسمت ابتسامة عريضة، وقبلتها قبلة كبيرة وقلت لها: هيا يا أمي… لنذهب إلى المدرسة.