No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف –
على خطا آبائه وأجداده، يحمل “ميخائيل ميساك بيدروسيان”، لواء المهنة المتوارثة في العائلة الأرمنية، والمستمرة منذ 450 عاماً، ليكمل مسيرة العمل بصناعة الفخار، بعد اعتزال والده المسن، ولبقاء عائلته الوحيدة، التي تعمل بمهنة صناعة الفخار، والخزف بالمنطقة، حافظ على تراثه من الاندثار.
داخل ورشته الطينية القديمة بفناء منزله، في حي الطي على أطراف قامشلو، يواظب “آنطو ميساك بيدروسيان”، من الشعب الأرمني، بممارسة مهنة الأجداد، التي ورثها من عائلته منذ أربعة قرون ونصف، فعند دخولك المنزل ذي السقف الخشبي المنخفض، والجدران المتهالكة، والأرضية الطينية التي ينبعث منها عبق الماضي، تشاهد آنطو وشقيقيه منهكين بصنع الأواني، حيث يضرب “ميخائيل ميساك بيدروسيان”، الملقب بـ (آنطو) برجله على دولاب تصنيع الفخار في مصنعه الطيني، الذي ورثه والده عن جده، ويتحكم في العجينة لتصبح طيعة بين يديه المجهدتين، ويديرها كيفما شاء، فتتناغم راحة كفيه مع منحنياتها، كما يمرر الأرمني أصابعه على قطع الصلصال لتطويعها كما يحب، فتخرج من بين راحتيه تشكيلات فنية بأحجام مختلفة تبهر الألباب.
ويعتمد آنطو على مهارته، التي توارثها منذ بلوغه سن العاشرة، ورغم أن الطلب قليل على مصنوعات الفخار خلال الفترة الحالية، إلا أن حب هذه المهنة ومتعة العمل بها، يحوله دون الانتقال لعمل آخر، بحسب آنطو.
أول فواخرجي في الجزيرة
تنتقل أفراد عائلة آنطو كثيراً، مصطحبة مهنتها في الكثير من المدن السورية مثل (الرقة، ودير الزور، والبصيرة، والبوكمال، والميادين وبعض مدن العراق)، حيث غادرت عائلة بيدروس الحدود التركية الأرمنية الإيرانية، عقب المجازر الأرمنية التي ارتكبتها “الدولة العثمانية” بحق الأرمن والسريان عام 1915م (مجازر سيفو)، حاملةً معها صناعة الفخار، لينتهي بها الحال في مدينة قامشو، منذ 105 أعوام، وكان الشيءُ الوحيدُ الذي تتقنه العائلة، العمل في الفخار والخزف.
وخلال لقاء أجرته صحيفتنا “روناهي”، مع “ميخائيل ميساك أنتونيك بيدروس”، 45 عاماً، حدثنا عن صناعة الفخار، التي ورثها عن أجداده: “والدي علمني إتقان هذه المهنة، وكان قد تعلمها بدوره من والده، فأسرتنا توارثت هذه المهنة منذ 450 عاماً، ولا زلنا نحافظ عليها ونتوارثها، فعائلتنا تعد أول من عمل بصناعة الفخار”.

من الطين إلى النار
أما عن مراحل تصنيع الفخار، أكد آنطو، أنه ينتقي أنواع تراب معينة، ويضع التراب في أحواض خاصة معدة لذلك لأيام بعد غربلته، وعجنه بالأقدام: “عملنا يحتاج لنوعية تراب محددةٍ تُسمى البيلون، أو الصلصال، وبعدها نقوم بفرزه وجبله بآلة تدعى الجبالة، وغربلته في بركة صغيرة لفرز الحجارة والأعواد منه، لأن التراب يجب أن يكون نظيفاً ونقيا من أي شوائب”.
ثم يتولى عملية العجن بالأرجل، وبالطريقة البدائية، ويطري كميات كبيرة من الطين بالماء حتى تصبح جاهزة للتشكيل على دولاب التصنيع، الذي كان يتناوب عليه ميساك وابنه آنطو، ويعملان على تصنيع التنانير الفخارية، والمزهريات، والحصالات وأواني المتة، وطلبيات خاصة يرغبها بعض الزبائن، لتبقى أرجل آنطو من تدير هذا الدولاب بعد اعتزال والده.
وعند الانتهاء من عملية التشكيل، يجهز “بيدروس” وشقيقيه الفخاريات المصنعة، لوضعها في فرنين، واحد منها داخل ورشة التصنيع خاص بالأواني الصغيرة، والثاني في فناء المنزل مخصص للقطع الكبيرة كالتنانير، فتبدأ مرحلة التجفيف بتعريضها للهواء، وبعدها تشوى في الفرن الطيني المصنوع من الطين الجاف المعروف بالقمائن على درجة عالية تصل حرارتها لـ 1200 درجة قرابة 15 ساعة، وتترك لتبرد وتجهز للبيع.
وزاد بيدروس: “يتم تزيين الأواني الفخارية بعد إخراجها من الفرن، وتبريدها بأصباغ طبيعية، وتزركش الرسوم الأواني الخاصة بالطهي والمزهريات، والتماثيل، وأواني حفظ الأغذية، وتبريد الماء”.
صعوبات في العمل وإقبال متدنٍ
ولفت بيدروس، خلال حديثه إلى الإقبال الضعيف على المصنوعات الفخارية، وبين أن عملهم متوقف حالياً على الطلبيات، والتي تأتي لهم من الزبائن وأغلبها تكون الأواني الخاصة بالماء، وحصالات النقود، والتنور، وحافظات الماء الكبيرة.
وتطرق، إلى صعوبة توفير التراب لصناعته الفخارية: “إن منطقتنا ليست جبلية، ولا يوجد فيها أنهار، لذلك كنا نحضر التراب من قرب الحدود السورية التركية، إلا أنه مع اندلاع الحرب أصبح الأمر صعباً، لذلك نأخذ تراب الحفريات، وبهذا المعنى تكون المواد اللازمة ليست المشكلة الوحيدة، فالكهرباء تشكل عائقاً على صناعتنا، بالإضافة إلى عائد الربح الأكبر يكون في يد التاجر الذي يأخذ أضعاف سعر القطعة، فيما يكون التعب لنا فقط”.
ورغم الصعاب التي تواجه المهنة، وقلة مردودها المادي يتمسك بيدروس وشقيقيه بها، وما زالوا يعملون في تلك الورشة، التي بناها جدهم فهم يعدُّون صناعة الفخار أرثاً حضارياً، وثقافياً وإنسانياً كبيراً لهم، فيرى بيدروس وشقيقيه أن أرث أجداده يسير في دمه، ولا يستطيع التفريط به، واختتم قائلاً: “سأعلمها لأولادي ليعلموها لأحفادهم، وستبقى هذه المهنة بعيدة عن الانقراض كغيرها من الصناعات اليدوية التي نتقنها، ونقوم على بقائها”.

No Result
View All Result