لاتزال وقائع التحرش بالشوارع مستمرة، إلا أن المختلف في الأمر أن الفتيات لم يعدن صامتات على ما يحدث لهن، ويؤثرن الذهاب للإبلاغ، وعدم ترك حقوقهن بعدما كان الصمت ملاذاً آمناً للكثيرات.
صدرت مجموعة من الأحكام خلال الفترة الأخيرة وصفت بالرادعة ضد من تثبت عليه واقعة تحرش، وتم البدء في التعامل بحزم مع تلك القضية، ورغم ذلك ما زالت الكثيرات يخشين من نتائج الإبلاغ وأخريات يخفن من الفضح؛ فيلجأن إلى الصمت، بينما آثرت بعضهن أخذ حقوقهن بأيديهن ورد الصفعة للمتحرش بالطريقة التي مارسها.
المعاملة بالمثل والإبلاغ خيار مثالي
“رغم إنني أمسكت بالمتحرش وضربته وسط المارة، وتشاجرت معه، إلا أنني لم أفكر في الذهاب للإبلاغ عنه خوفاً من أهلي”، هذه لم تكن رواية “هدى علاء” الوحيدة التي تؤكد معاناة الفتيات القادرات على فضح المتحرش.
وقالت: “بقيت لأعوام أصمت، ولا أحصل على حقي ممن يتعرضون لي في الشوارع، ومع تكرار الأمرـ فأنا أتابع دراستي في جامعة حلوان، وأحيانا أسير في شوارع مزدحمة في طريقي إلى الجامعة، وخلال أحد المرات ضربت أحد المارة بعد وضع يده على جسدي، وحينها فقط شعرت براحة كبيرة وتوقفت عن لوم نفسي، واتهامها بالضعف”.
وأكدت، أنها تخشى أهلها فقد تربت في أسرة ريفية ترى أن التحرش يعود لأفعال الفتاة نفسها؛ لذلك تقرر أن تحصل على حقها بيدها في الشارع بدلاً من الذهاب لقسم الشرطة: “أهلي لن يرحموني إن علموا أن هناك من وضع يده على جسدي، وقد يمنعوني من الخروج من المنزل، وكنت ألتزم الصمت وأخاف السعي من أجل نيل حقي خوفاً من وصول الأمر إليهم، ومؤخراً أتشاجر، وقد أضرب المعتدي لأتوقف عن لوم نفسي، ولكنى لا أستطيع الإبلاغ أو البوح بما حدث معي”.
وبدورها أكدت “مي عادل”، أنها ذات يوم أمسكت بمتحرش في ميدان الجيزة، وصفعته على وجهه وسط الحضور، وما كان منه حينها سوى الفرار هرباً وخوفاً من تطور الأمر، مبينةً، أن قسم الشرطة خيار مثالي حالياً فعقوبة المتحرش باتت واضحة، مضيفة أنها ذات يوم ذهبت كشاهدة في تحرير محضر مع صديقة لها عقب تصوير المعتدي، ولمست تغير الوضع بشكل ملحوظ مشجعة الفتيات على عدم التردد في ذلك.
الدفاع عن المتحرش ورد الإهانة
وأكدت “سلوى سيد”، أن هناك قبولاً مجتمعياً للاعتداء على الفتيات في الشارع، خاصة إن كان الأمر متعلقاً بالتحرش: “في أحد الليالي كنت أسير بمحيط العتبة، وتعرض لي أحد المارة، وقررت أن أذهب به لقسم الشرطة، وفوجئت أن البعض يسعون لتخليصه من يدي ويبررون فعلته بأنه لم يكن يقصد علماً أنهم رأوه يمسك بذراعي، والغريب أن هناك نساء سعين لمساعدته، وحجتهن خوفهن على مستقبله، ولم أستطع التحكم بالأمر، وتم تهريبه من يدي”.
ومن جانبها قالت “جنات فوزي”، بأنها في أحد ليالي شهر رمضان كانت تستقل حافلة ركاب، وتجلس جوار السائق كعادتها وتدفع ثمن الكرسي المجاور لها، وإذا بشخص خلف ذلك المقعد يمد يده للتحرش بها، وهنا صرخت وأصرت على السائق بأن يذهب بها لقسم الشرطة، إلا أن أغلب الركاب وقفوا معه، وأخبروها أنه كأخيها، ولا يجب أن تعرض مستقبله للخطر.
وأضافت: “بيقولو لي هو كان عملك أيه يعنى مخدش حتة منك، وكأن لمسه لجسدي لا يعد نيل من كرامتي أو مشاعري، وشعرت بقهر وظلم ووجع جعلني أظل قابعة في منزلي أسبوع، ولا أستطيع النزول لعملي، وبت أخاف الجميع وأكرههم”، معتبرة أن الكثيرين لا يرون أن جريمة التحرش تؤذي الفتيات، ولا مبالغة في الانتقام.
مازال الخوف من الأهل والوصم حاضراً
وقد تعرضت “سلمى جميل”، للضرب من أبيها بعد علمه أنها تشاجرت في الشارع المجاور لهم مع أحد المارة بسبب التحرش، فقالت: “ضربني أبي وأصابني بكدمات في جسدي لأن أحد المارة أخبره أني تشاجرت مع شاب بعد تعديه اللفظي عليّ أثناء سيري للجامعة في عامي الأول، وحرمني من الخروج من منزلنا أسبوعين حينها، ورغم أني أصبحت مستقلة وأعيش بالقاهرة، إلا أني أخاف أن أقوم بأي إجراء تجاه المتحرش، ولكني لم أعد خائفة منه كما كنت أثناء دراستي”.
وأكدت، أن أبيها قال لها مجموعة من العبارات أثناء ضربه لها ومنها: “الناس هتقول عليكي ايه الوقتي، بنتى ماشية تتدلع في الشارع وتتمايع، مفيش حد بيقرب لبنت من غير ما تسمحله”، كاشفة أنها لم تنس ذلك الموقف يوماً ولن تغفر لأبيها تعنيفه المستمر لها.
يجب على المجتمع أن يقتنع بجريمة التحرش
هناك تعاطف غير مفهوم من المارة في الشوارع مع المتحرشين، ومحاولة منع النساء من اتخاذ الإجراء المناسب، خوفاً على مستقبل مرتكب الواقعة، وهو أمر أرجعته المحامية “هيام الجنايني” لتشديد العقوبة وتوابعها على الأفراد.
وأكدت أن تاريخ تجريم التحرش منذ عام 2014 حتى اليوم مؤشر يجب أن يتم وضعه في الاعتبار، ففي البداية لم يكن هناك دفاع عن مرتكب الواقعة كما يحدث الآن، لأن العقوبة كانت جنحة، ولم تكن تزيد عن عامين في الظرف المشدد ومع حلول عام 2021 وتحولها لجناية يصل الحكم فيها لسبع سنوات، بات هناك قبول ضمني لتلك الجريمة من المجتمع، وأصبح هناك دفاع ومحاولة لتهريب مرتكبها واللوم على الضحية.
واعتبرت، أن تشديد العقوبة لم ينهِ وقوع الجريمة وأن وصولها للإعدام في بعض القضايا لم يحقق الردع العام أو الخاص، موضحة أن تغييرها أصبح أوقع في تقديرها وأكثر جدوى، أو طرح بدائل منها حرمان مرتكب الجريمة من بعض الخدمات أو الوظائف، أو الالتزام بأداء خدمة عامة في بعض مؤسسات مناهضة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، أو مناهضة التحرش، ورغم بساطة تلك الإجراءات إلا أنها مؤلمة للمجرم، وستترك أثرها في نفسه محققة الردع الخاص، كما أن المجتمع سيعلم أن تلك الأعمال يقوم بها المتحرش فيتحقق الردع العام.
وترى هيام الجنايني، أن هناك نقطة مضيئة تتمثل في ارتفاع قدرة النساء على الإبلاغ عن المتحرشين والذهاب لأقسام الشرطة دون خوف خاصة بعد التعديلات الإجرائية والتوجيهات الأخيرة، التي أقرت قبولاً لتحرير محاضر تحرش دون الضغط على المبلغة، بكتابة أسباب أخرى لتحرير المحضر كالسرقة، أو الضرب، أو تخويفها من الوصم والحبس وغيرها من الأمور.
وبينت، أن هناك مجموعة من الأدوات تشجع الفتيات أكثر على اتخاذ المسار القانوني، ومنها إنشاء وحدة بكل قسم شرطة خاصة بجرائم العنف ضد المرأة لإشعارهن بالأمان فضلاً عن إيجاد آلية لاستقبال البلاغات إلكترونياً؛ للتسهيل على المبلغات وعدم إهدار وقتهن.
وأوضحت في ختام حديثها، أن سرعة التقاضي مهمة، لذلك، فإنشاء دوائر في المحاكم للفصل في قضايا العنف الممارس على النساء واحدة من أدوات التشجيع على سلك المسار القانوني كما أنه تحقق الردع العام؛ لأن سرعة البت في القضايا يخيف من ارتكاب الجرائم.
وكالة أنباء المرأة