No Result
View All Result
إعداد/ غاندي إسكندر –
الموشح ضرب من ضروب الشعر استحدثه المتأخرون بدافع الخروج على نظام القصيدة، والثورة على النهج القديم للقصيدة، وانسجاما مع روح الطبيعة الجديدة، في بلاد الأندلس، واندماجاً في تنوع التلحين، والغناء، وقد سُمي هذا الفن بالموشح لما فيه من ترصيع، وتزيين، وتناظر، وصنعة فكأنهم شبهوه بوشاح المرأة المرصع باللؤلؤ، والجوهر.
نشأة الموشحات
نشأت الموشحات في الأندلس أواخر القرن الثالث الهجري، وكانت من إبداع الشاعر الأندلسي مقدم بن معافر القبري، وفي تلك الفترة ازدهرت الموسيقى، وشاع الغناء من جانب، وقوي احتكاك العنصر العربي بالعنصر الإسباني من جانب آخر، فكان ظهور الموشّح استجابة لحالة فنية من جهة، ولظاهرة اجتماعية من جهة أخرى، فالأندلسيون كانوا قد ولِعوا بالموسيقا، وكلفوا بالغناء منذ قدوم زرياب إليهم، وإشاعته للفن بينهم، وفي تلك الفترة كان الفن، والموسيقا في أبهى حلته وازدهاره، وتطوره فالأندلسيون أحسو أن القصيدة الموحدة لا تلبي مكنوناتهم الداخلية، وأحاسيسهم الجياشة إزاء الألحان المنوعة، ولامسو جمود الشعر التقليدي أمام النغم في حاضره التجديدي المرن، فوجدوا أن الحاجة ماسة إلى لون من الشعر الجديد يواكب الموسيقا، والغناء في تنوعها، واختلاف ألحانها، ومن هنا ظهر هذا الفن الذي تعتبر الموسيقى أساسا من أسسه، أما كون نشأة الموشحات جاءت نتيجة لظاهرة اجتماعية، فبيانه أنّ العرب قد امتزجوا بالإسبان، وألفوا شعباً جديداً فيه تنوع لغوي، وكان لابدّ أن ينشأ أدب يمثل ذلك الاندماج، والثنائية، اللغوية أما بالنسبة لنظم الموشح، فقد كانت تنظم باللغة العربية الفصحى إلا الفقرة الأخيرة منها، وتسمى الخرجة فكانت تعتمد على العامية الأندلسية العربية، فالموشحات كانت فصيحة في فقراتها العامية، وهذا الجانب قد جاء نتيجة للثنائية اللغوية المسببة عن الثنائية العنصرية.
تكوين الموشح وأبرز الوشّاحين

تتألف الموشحة من قفل يسمى مركزاً، وتتعدد أجزاؤه، أو شطوره، ويليه غصن متعدد الأجزاء، أو الشطور، وبينما تتحد أجزاء الأقفال التالية مع الأجزاء المقابلة لها في القفل الأول سواء في الوزن، أو القافية، وتختلف أجزاء الأغصان التالية مع أجزاء الغصن الأول في قافيته، فلكل غصن قافية تتحد في أجزائه، أو شطوره مع اتفاق أجزاء الأغصان جميعاً في الوزن، والموشحة بذلك تتألف من مجموعتين من الأجزاء، أو الشطور، مجموعة تتحد أجزاؤها المتقابلة في الأقفال المتعاقبة في الوزن، والقافية، ومجموعة تتحد أجزاؤها في الوزن وحده دون القافية، فإنها تتخالف فيها دائما، وهما بهذه الصورة يشبهان الوشاح المزركش.
فيما يتعلق بالموشّحين فإن أول من اخترع فن الموشحات هو مقدم بن معافى القبري وقلده في ذلك ابن عبد ربه، ويذكر أن أول من برع في الموشحات هو عبادة القزاز، ومن بعده فلاح الوشاح في زمن ملوك الطوائف، وفي زمن المُلثمين برع الأعمى التطيلي، ويحيى بن بقي، وأبو بكر بن باجة، وأما ألمع الأسماء في سماء التوشيح هو أبو الحسن سهل بن مالك الغرناطي، ورئاسة فن التوشيح بلا منازع، فهي لأبي عبدالله ابن الخطيب صاحب الموشحة الشهيرة (جادك الغيث)، وتعتبر موشحة ابن الخطيب من أشهر الموشحات، وأغناها بالفكرة، والصورة والإحساس، والتلوين الكلامي.
أغراض الموشحات الأندلسية
نظراً لطبيعة الأندلس الساحرة تلك الطبيعة التي لا تفارق مخيلة الشعراء، ووجود مجالس الأنس، والطرب فيها، وبما أن الموشحات لها صلة بتلك المجالس، فمن الطبيعي أن تكون أبرز أغراضها الغزل، والنسيب، والخمر، ووصف الطبيعة، أما الموشحات التي قيلت في الغزل فهي تنقسم إلى قسمين، قسم اقتصر على الغزل وحده، وقسم خلط بين الغزل، والأغراض الأخرى كالمدح، والخمر، ووصف الطبيعة، فالموشحات التي تخلط بين الغزل، والأغراض الأخرى تكثر في غرض المديح إذ يستهل الشاعر موشحة المدح بالغزل، ويختتمها بالغزل، فالوشّاح الأندلسي يستحضر لحظة وصاله بالحبيب بافتتانه في تلك اللحظة بالمناظر الخلابة، فيستوحي من تلك المناظر جمال محبوبته .
وفي بعض النماذج التي تطرقت إلى هذا الغرض يشكو الوشّاح من بعد حبيبه وقساوته وجوره، ومن ذلك قول ابن زهر
“شمس قارنـت بـدراً
راحاً ونــــديم
أدِر أكـــــــؤس الخمــــــر
عنبريـــــــــة النّشــــــــــــر
إنّ الـــــروض ذو بِشــــر
وقــد دَرّع النهـــــرا
هبوبُ النســــيم
وســـلّت علـى الأفـــــق
يد الغـــرب والشــــرق
ســــيوفاً مــن البــــرق
وقد أضحــك الزهرا
بكـــاء الـــغيـوم
ألا إنّ لـــــي مولـــــى
تحكــــــم فاسـتولــى
أمـــــا إنـــــه لــــولا
دموعٌ تفضح السـّـرا
لكنــتُ كتــوم”
في هذه الموشحة مزج الوشّاح بين الخمر، والوصف، والغزل فبدأ بذكر الخمر، ووصف مجلسها ثم انتقل إلى وصف الطبيعة، وجعل عناصرها أشخاصا تملؤهم الحركة ثم يخلص إلى الغزل بأسلوب إخباري، ومعان تقليدية، ومجمل القول أنّ بلاد الأندلس في القرون الوسطى كانت من أبرز، وأرقى محطات الغناء، والشعر، والموسيقا، وذلك لخصوصيتها الثقافية، والاجتماعية كما كانت حلقة وصل بين الشرق الإسلامي، والغرب المسيحي، وأنموذج للتمازج بين المكونات هذا التمازج الذي جعلها ذات مكانة أدبية، وثقافية منقطعة النظير.
No Result
View All Result