عبدالرحمن محمد –
كأننا اعتدنا ان لا نحب عظماءنا إلا بعد رحيلهم، وكأنما بينهم وبين المجد عداوة وهم أحياء، أو أن غشاوة ما تحول بين عيوننا وبينهم؛ فلا نرى نجومهم تسطع ولا أسماءهم تلمع إلا بعد رحليهم لنلحق بذكريات وأطياف، ونبكي على أطلال وكلمات سُطِرت من وجعٍ في سِفر الكتب أو قول حكيم في مجلس أدب.
لعل من أبرز الشخصيات التي أثارت الكثير من الأحاديث والاكثر من القصص الفريدة، والمواقف الحكيمة في إقليم الجزيرة إبَّان القرن العشرين هي شخصية الدكتور قاسم مقداد، الدكتور الإنسان قبل أن يكون الدكتور الطبيب، والمواطن الغيور؛ الجسور الذي مازالت العشرات من قصصه ومواقفة النادرة تُروى في مدن وقرى إقليم الجزيرة.
كتاب “الدكتور قاسم مقداد جميل باشا” للكاتب والباحث الكردي إبراهيم محمود الذي جاء في قرابة المائتي صفحة، تسليط للضوء على الجانب الشخصي والاجتماعي على حياة الدكتور قاسم الذي عُرِف بشخصيته الفريدة ومواقفة الصارمة في الكثير من المرات فيما يخص الجانب الطبي كمهنة إنسانية والجانب الوطني والسياسي كمواطن وشخصية كردية مخلصة لكرديتها دون بهرجة ولا تصريحات ولا دعايات وشعارات رنانة.
الكتاب في أسلوب شيق ومعبِّر وفي تقديم للحدث الجلل والخطب الأعظم الذي يتمثل في رحيل الدكتور قاسم عن قامشلو والدنيا يبدأ بإلقاء الضوء على حياته في مسيرة عكسية منطلقاً من يوم وداعه الأخير لأحبته ومدينته في تشرين الثاني عام 1992م. وما تركه في النفوس من حزن وأسى، لأنه كان إنساناً قبل أن يكون طبيباً، وكردياً وسورياً حتى النخاع، ولذلك كان أهلاً لكل ذلك الحب والتقدير:
“كان الدكتور قاسم مقداد جميل باشا واحداً من أولئك الذين يستحقون الحب الأبدي، ولكن كيف يمكن الكتابة عن الدكتور قاسم ليكون واضحاً للعيان أكثر، كان مختلفاً في تعامله مع مرضاه، عن زملائه الأطباء حديثاً وطريقة معالجة وكان مختلفاً في علاقاته الاجتماعية مع أفراد مجتمعه، عن زملائه وبقية أفراد مجتمعه”.
يرى الكاتب ومن منطلق التجربة والمعرفة ومن خلال الكثير من الشخصيات الاجتماعية التي عاصرت الدكتور قاسم، إنه كان مثالاً للشخصية التي أثارت الكثير من الجدل حولها وإنه كان يعمل بصمت ويمنح الناس في مجال مهنته الراحة المطلوبة، بسلوكه الاجتماعي وبأسلوبه الفذ وثقافته، وينظر إلى تلك الخصال على إنها ولادة مستمرة في الحياة ويقول في ذلك:
“أما الولادة الحقيقية فهي مختلفة، إنها سلسلة ولادات لا تنقطع، فالرجل العظيم أو الإنسان العظيم أياً كان انتماؤه وجنسه تتأصل عظمته في ولادته في كل آن وحين فكل موقف له، أو فعل يقوم به، هو ولادة مختلفة”.
وعن السيرة الذاتية للدكتور قاسم وجوانب من شخصيته وعلاقاته يمضي ابراهيم محمود فيورد بعضاً من المعلومات وبأسلوب لا يخلو من الروح الفلسفية والأدبية التي تخرج من إطار الجمود والمعلوماتية، لتشعرك أكثر بالقيمة الروحية للمترجم عنه، ونتعرف من خلاله على نبذة عن حياته الشخصية؛ فقد ولد الدكتور قاسم مقداد في قرية تعلكي التابعة لمدينة درباسيه في مقاطعة الجزيرة عام 1932، وهو من عائلة يشهد لها بوطنيتها وحسها القومي، درس الطب وبعد تخرجه عاد إلى الجزيرة وقدم إلى مدينة قامشلو مع والدته في يوم 7\3\1963، وكانت المدينة تشهد حظر تجول شامل، واستقر في غرفة بإحدى فنادق قامشلو وبقي في ذات الغرفة ثلاثة أشهر ثم انتقل إلى غرفة أخرى غرفة رقم 18 ليقيم فيها بقية حياته.
ثم يورد لنا الكاتب بعضاً من آراء شخصيات هامة في إقليم الجزيرة ممن كانت لهم علاقات وثيقة به وعرفوه عن قرب، وفي الفصل الأخير من الكتاب وتحت عنوان “الدكتور قاسم في مرآة الآخرين” يورد بعضاً من تلك الشهادات على لسان شخصيات اجتماعية دينية سياسية معروفة، ولا يورد إلا القليل من تلك الشهادات ويذكر نماذج منها، ومنها ما جاء على لسان: ” الأب انترانيك، السيد مجيد حاجو، الدكتور حكمت أمين، الدكتور خليل رشيد، الدكتور حزني حاجو وشخصيات معروفة أخرى”، يفهم من خلال كلامهم عنه إنه كان يمتلك ناصية إدارة الحوار والنقاش بتفهم وعقلانية وبأسلوب راق من فهم الآخر وإقناعه، وحتى في طريقه نقده التي كانت دون تجريح وتقليل من قدر من يحاوره.
في طيات الكتاب وشهادات من عاصروا الدكتور قاسم إضاءات هامة على تلك الوشائج والروابط الاجتماعية التي كانت سائدة في المنطقة وبأسلوب إبداعي توثيقي أدبي متمازج عرف به المؤلف.
والكاتب والباحث ابراهيم محمود من مواليد قرية خربة عنز 1965 في ريف قامشلو، درس الفلسفة وتخرج من جامعة دمشق 1981م. يعرف عنه تعمقه في البحث والكتابة باللغتين الكردية والعربية، وضع أكثر من ستين مؤلفاً، ما بين كتب وأبحاث في مجالات متنوعة منها الاجتماعية والفلسفية والفكرية. نشر الكثير من المقالات والأبحاث الفكرية والأدبية في كبريات المجلات والصحف العربية، وفي أكثر من خمسين دورية ثقافية مختلفة.