يبحر قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان في مفهوم الرأسمالية، ويعدها نظاماً لم يحلل بعد، وناتجاً للعبودية، وبأنه ما من شيء قادر على إيضاح الرأسمالية سوى تشبيهها بمرض السرطان، وما يُعاش في النظام العالمي، ليس أزمة مالية فحسب، بل ويعبر عما يتعدى الأزمة البنيوية للرأسمالية.
تعد الرأسمالية بذاتها الدعامة الأولى للحداثة، وبمثابة روح النظام ودماغه؛ الوحش، الذي دار المساعي طيلة تاريخ المدنية بأكمله، وتحوله إلى دماغ النظام، وفؤاده، وإلى قوته العقلية، والعاطفية، ليس حلاً بل دلالة على إفلاس أنظمة المدنية، والتي تعد بذاتها مصدر القضايا.
إن العقل، الذي أدخلته الرأسمالية إلى رأس الإنسان هو الهول المروع بحد ذاته، فما الذي بالمستطاع تحقيقه بحروب القرون الخمسة الأخيرة، وبتقنيتها وعقلها الاستراتيجي؟ فالحديث عن البشر المقتولين خلال القرون الخمسة الأخيرة، بما يضارع أضعافاً مضاعفة تعداد ما قتل منهم في الحرب الناشبة على مدار تاريخ المدنية بأجمعه، إنما سيكون اعترافاً بجزء محدود جداً من الحقيقة.
الرأسمالية نظام لم يُحلل بعد
الرأسمالية نظام لم يحلل بعد، ومن غير الممكن القول: إن ماركس، والماركسيين قد نجحوا على الرغم من كل جهودهم الدؤوبة في الحل، فكل الدلالات تشير إلى انتقاد الماركسيين للرأسمالية لم يتعد منطق البرجوازية الصغير، فالانتقاد المعتمد على منطق البورجوازية الصغيرة، لم يولد نتيجة أبعد من البيروقراطية النقابية، ورأسمالية الدولة كحد أقصى، لذا ينبغي الإدراك جيداً أن المنطق السائد في عصرنا، قد خُطط ورُسم بموجب النظام الرأسمالي.
أما عالم العلوم، والأكاديميات الحالية، فهو المكان الذي ينتج فيه هذا المنطق، فالأكاديميات العلمية الراهنة قد أرفقت بالسلطة الرأسمالية، كأماكن إنتاج ميثولوجية أكثر تعقيداً مما في الزقورات السومرية. والميثولوجيات المصاغة في هذه الأماكن باسم العلم، هي التي حطمت، وهشَّت مقاومة المجتمع أكثر مما عليها، وسائل الهيمنة المكشوفة للسلطة.
الرأسمالية نظام عالمي
لأول مرة صارت الرأسمالية نظاماً عالمياً في المدنية الأوروبية، وقد بلغت القوة بتأسيسها الاحتكار على التجارة، والمال، والصناعة، وبتنظيمها نمط الدولة القومية، وبتأمينها سيرورة الصناعوية، أما نجاحها في التحول إلى مدنية مركزية، فقد تحقق بتوطيدها بدءاً بالشرق الأوسط بنسبة غالبة، وباستعمار الصين، والهند، وأمريكا، وإفريقيا، وبإخضاعها لتبعيتها على مستوى ثانوي. إن الدعامات الثلاثية، التي ارتكزت إليها الحداثة الأوروبية، خسرت بنسبة ملحوظة مهارتها في حل القضايا الاجتماعية، التي هي علة وجودها.
السرطان مرض من أمراض الرأسمالية
ما هو قائم هنا هو نمط حياة لا يمكن لأي كائن حي أن يقبل به، ومرض السرطان ينبع من نمط الحياة هذه، إذ يجب ألا نتناسى أن السرطان مرض نموذجي من أمراض الحداثة الرأسمالية، وذا جذور اجتماعية معنية تماماً بالنظام القائم، إنه النتيجة القاطعة لانعكاس روح النظام على جسد الإنسان. وربما نادراً جداً ما يصادف وجود سرطاني محدود في الأنظمة الأسبق، وبعض الكائنات الحية. بالمقدور ملاحظة ظل “احتكار” تم تخيله على الحياة حتى في جذورها أيضاً، ولكن يكاد لم يبق أي نسيج أو عضو في الإنسان إلا وبات نوعاً سرطانياً في الرأسمالية، فكون السرطان الذي أصبح ظاهراً في جميع أعضاء الجسد فاضحاً، ومعرياً لنظام المدنية الرأسمالية، وهو واقع يستحيل تفنيده أو إنكاره.
الرأسمالية تصنع العبودية
لم تقم القوى الأوروبية المهيمنة من خلال الرأسمالية بحل القضايا، التي تمخضت عنها الهيمنات الأسبق منها (الكنائس، الملوك، والأمراء)، بل ساوت بينها بقطع أياديها، وأرجلها عبر مشروع “المجتمع المتجانس”. فالمجتمع المتجانس مجتمع عبيد بأرقى الدرجات، من هنا ما من مجتمع طبقي قادر على إنتاج العبودية بقدر الرأسمالية، وعلى عكس ما يعتقدون فعبوديات العصور الأولى، والوسطى، لم تكن أسوأ مما كانت عليه في ظل ظروف الرأسمالية، وأهم مؤشر على ذلك، هو عدم وجود مكان لظاهرة “العبد العاطل عن العمل” في تلك الحقبة، والعبد العاطل عن العمل هو شكل العبودية الأكثر إجحافاً مما شهده التاريخ، إذا لم يتواجد على الإطلاق شكل عبودي حط من شأن الإنسان وهمشه، بقدر ما هي البطالة. أي أن تاريخ الرأسمالية، ليس كما يقال مجرد تاريخ تحويل القرويين، وصغار الكسبة إلى عمال وبروليتاريا، بل هو تاريخ بطالة، وتحويل إلى حثالة البروليتاريا بنسبة أكبر بأضعاف مضاعفة.
الأزمة المالية الراهنة للرأسمالية
علينا الإدراك جيداً أن الرأسمالية بدأت بالتصاعد انطلاقاً من المدنية المركزية، التي تستند إليها، وإنها باتت عالمية، وأطرت التحول عن النظام العالمي منذ أن حطمت قفصها.
إن العلاقة بين التنوير، والخروج من القفص خليقة بالبحث والدراسة، إذ يبدو فيما يبدو أن أسوأ حرية هي حرية الخروج من هذا القفص، الكل مذهول من الأزمة المالية العالمية الراهنة للرأسمالية، إذ يتم حساب فوائض القيم، والإنتاج المستولي عليها بلا أي عمل بالتلاعب بالوسائل المالية في مرحلة تلك الأزمة فقط، والتي تزيد على الاستغلال المتحقق طيلة تاريخ المدنية بأكمله، ما من أزمة أو ظاهرة توضح الرأسمالية جيداً، ولا تشير بشفافية إلى كون الرأسمالية ليست سوقاً، أو اقتصاداً، كما هي هذه الأزمة المالية اليومية.
الأزمة المالية الكونية، التي لا نزال نمر بها، والتي تعد المرحلة الأكثر لفتاً للانتباه من بين مراحل أزمة الرأسمالية البنيوية؛ إنما تؤيد مصداقية هذا التفسير التاريخي بمنوال ضارب للنظر.
الرأسمالية سبب الأزمة
الرأسمالية، التي تشكل دعامة أساسية للحداثة، هي بحد ذاتها سبب الأزمة. كما لن تتخلص من الأزمة في وقت من الأوقات، نظراً لعملها أساساً بقانون الربح الأعظمي، ولتوظيفها المجتمع والبيئة والإيكولوجيا في خدمتها بغض الطرف عن احتياجاتها الأولية. فالإنتاج المفرط والقحط متداخلان دوماً. أما السلطة المعاد تشكيلها كدولة قومية في الحداثة، فترتفع بإكثار ذاتها الأقصى على حساب المجتمع إلى درجة الفاشية، محولة بذلك النظام إلى نظام حرب داخلية وخارجية دائمة.







