No Result
View All Result
تل كوجر/ مثنى المحمود ـ
في المجتمع العربي قديماً كان للحزن والمصائب دلالات، بقيت ثابتة حتى داهمها شبح النسيان، وباتت تتناقلها روايات الأجداد.
يروي كبار السن قصصاً عديدة، تتعلق بعاداتٍ وتقاليدَ عاشتها مناطق شمال وشرق سوريا في قديم الزمان، حتى اندثرت وزالت من الوجود، لكنها لاتزال تحيا في الذاكرة وعلى ألسنة كل من عاش تلك التفاصيل، وأبرز تلك القصص كانت، “انتكاسة دلال القهوة العربية، وإنزال عمود بيت الشعر، وإطالة اللحى، وتسويد اللباس وغيرها..”.

دلال القهوة
تعد القهوة العربية، ودلتها إرثاً توارثته الأجيال على مر الزمان، حتّى أصبحت لوناً جميلاً من ألوان الماضي، ولكونها عراقة وأصالة، فقد كانت الدّلة في الماضي البعيد، إشارة واضحة للتعبير عن الحزن والأسى، حيث حدثنا بهذا الصدد، الجد “عبد المحمود” ذو الثمانين عاماً، قائلاً: “كان من عادات البدو في القديم، أنهم إذا فقدوا شيخاً أو فارساً شجاعاً، سواء من قبيلتهم أو من غيرها، فإنهم في أول عيد بعد وفاته، يقومون بتجميع دلال القهوة ووضعها بشكل مقلوب في الموقد، وعدم تحضير القهوة أو تقديمها للضيوف طيلة أيام العيد، وفي هذا إشارة إلى حزنهم على من فقدوه، وهذا عرف لدى غالبية القبائل البدوية، فلم يبقَ هذا العرف سائداً منذ زمن طويل، لكنه حصل في فترة من الزمن، لذا تم الإشارة إليه، لتتعرف عليه الأجيال الحالية واللاحقة”.
وأضاف الجد عبد المحمود بقوله: “هناك سبب آخر يتعلق بقلب الدلال، كان يحصل أيضاً عندما يتعلق الأمر بالشرف والعرض، ولا تعاد الدلة لوضعها الصحيح، إلا إذا انتهى الأمر بإظهار الحق”.
ويعود اتجاه الأهالي الى استخدام الدلة في هذه المواقف، لما للقهوة العربية من أهمية وقيمة، وتلك القيمة المتعلقة بالقهوة العربية حاضرة حتّى يومنا هذا، لكن عادة قلب الدلة زالت منذ فترة بعيدة.

تنكيس العمود
بيت الشعر، الذي يسكنه البدو، كان جزءاً من حياتهم، حتى أصبح جزءاً من تراثهم، حيث كان البيت أيضاً يعد ركيزة أساسيّة لحياة البدو حينها، وسند بيت الشعر هو العمود، فقال حول ذلك الجد “عبد المحمود”: “العمود الوسط، الذي يسند بيت الشعر، هو ركن مهم، وأساسي لحماية البيت، لذلك فإن إنزال العمود يعد حداداً على فقدان كبير القرية، أو أحد رجالها ممن لهم بصمة على مستوى القبائل عامة، وإشارة إلى أنه بمنزلة قيمة، ويعدّ بأهمية عمود البيت، ويستمر الإنزال عدّة أيام، حسب فترة العزاء والحداد في تلك المنطقة أو القبيلة”.
طقوس أخرى
لا تقتصر طقوس إظهار الحزن قديماً على دلال القهوة، أو عمود البيت فقط، إنما تذهب نحو طقوس أخرى لها علاقة بالأفراد، إذ يعمد الأخ مثلاً إلى إطالة لحيته، ويعدّ هذا من أبرز مظاهر الحزن آنذاك، وإضافةً إلى ذلك تسويد اللباس، والمقصود هنا بتسويد اللباس أي ارتداء اللون الأسود في المناسبات العامة والخاصة، بل وحتى في الأيام العادية أيضاً، أما من ناحية النساء فيمكن إضافة طقوس أخرى، مثل “الابتعاد عن التجميل والتزين، وأيضاً عدم وضع الحناء على شعرهنّ، وارتداء اللون الأسود أيضاً”، وتستمر هذه الطقوس حتى يتقدم رجل ذو حظوة عند صاحب الحزن، فيحاول أن يتوسط عنده من أجل أن يحلق لحيته، ويكون حلق اللحية استئذاناً بالعودة إلى الحياة الطبيعية، وانقضاء مدة الحداد، التي ما كانت تفوق العام تقريباً.

No Result
View All Result