د. علي أبو الخير (كاتب وباحث مصري)_
كلمة لابدّ منها: أولا وقبل كلّ شيء، نؤكد على كراهيتنا للإرهاب أيًّا كان مصدره ومكانته وأيديولوجيته، ذلك لأن الإرهاب الأعمى الأيديولوجي يقتل المدنيين الأبرياء ويفجر البيوت، والشوارع، والمواصلات، وهو أي الإرهاب ضد الطبيعة والفطرة، التي فطر الله الناس عليها، فلابدّ من إدانته.
كما أن الإرهابي لا يمثل دولته، ولا يمثل الشعب، الذي ينتمي إليه، فالدواعش لا يمثلون العراق، أو سوريا، أو مصر، أو ليبيا، كما لا تمثل جماعة بوكو حرام الشعب النيجيري…، وهو أمر لا يحتاج لكثير من الشرح والتحليل.
أيضا إدانتنا للإرهاب تشمل إرهاب الجماعات المتعددة التكفيرية مثل، داعش، وبوكو حرام، وأنصار بيت المقدس… الخ، وتشمل أيضا إرهاب الدول مثل إرهاب الدولة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، وإرهاب تركيا ضد الشعب الكردي، سواء بسواء؟
والأهم هو عدم الانتقام من الذي يفعل الإرهاب، إلا بعد التيقن الكامل من شخصية، أو شخصيات من قاموا بالتفجير الإرهابي. وهذا اليقين لا يأتي إلا بحكم قضائي يكون عنوانا للحقيقة، وعندها يمكن الانتقام بالقانون، وعدم نسبة الإرهابي لشعبه أو دولته. نقول هذا الكلام للتوضيح، بعد التفجير الذي حدث في مدينة إسطنبول التركية يوم 13 تشرين الثاني 2022، الذي أدى إلى مقتل وإصابة العشرات من الأبرياء، وهو أمر أفزعنا جميعا، والعالم كله أدانه، وأول الرافضين لهذه الجريمة البشعة، جاءت من الشعب الكردي، ومن حزب العمال الكردستاني نفسه، حيث تم إدانة العمل التفجيري من قادة الكرد في سوريا، والعراق، وتركيا.
الانتقام الحكومي قبل اليقين القضائي
وما حدث بعدها جريمة من حكومة تركيا، فقد أسرعت، وألقت القبض على فتاة متهمة بالتفجير، وشخص آخر ساعدها، وهذا من حق الدولة التركية، أن تقبض على المشتبه بهم، وتقديمهم للمحاكمة، فقد نشرت أجهزة الأمن التركية صورًا لامرأة يُشتبه بوقوفها وراء التفجير.
وأوضح متحدث الحكومة في تركيا، أن المعلومات، التي كشفت عنها خلية الأزمة، التي يشارك فيها وزير العدل التركي “بكير بوزداغ” أفادت، أن المرأة المُشتبه بها رُصدت وهي تجلس لمدة 45 دقيقة على مقربة من موقع التفجير، ثم غادرت قبل دقيقة واحدة من الانفجار.
وقد كان من المنتظر من الحكومة التركية، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان عدم التسرع، وإلقاء اللائمة على كرد سوريا وتركيا كلهم، فالفتاة داعشية وليست كردية؛ فلماذا تتهم تركيا الكرد ولا تتهم داعش بتنفيذ التفجير؟ ولا يجوز إلا إدانة المشتبه بهم، وحتى أولئك يجب أن يخضعوا للقضاء، للوصول إلى اليقين القانوني ثم السياسي، قبل رد الفعل الحكومي التركي الغاشم.
وذكرت وزارة الدفاع التركية، أنها نفذت ضربات جوية على قواعد “للمسلحين الكرد في شمال سوريا وشمال العراق”، موضحة أن تلك القواعد تُستخدم لشن هجمات على تركيا، وأضافت الوزارة في بيان أن الضربات استهدفت قواعد “حزب العمال الكردستاني”، ووحدات حماية الشعب، التي تذكر تركيا أنها جناح لحزب العمال الكردستاني، وقال أردوغان: “حان وقت الحساب”، رغم أن الحساب التركي دائما ما يقع على الكرد المظلومين؛ في تركيا على وجه الخصوص، حيث لا توجد جماعات مسلحة عند كرد سوريا وتركيا. وحزب العمال الكردستاني ليس له أي نشاط ملحوظ منذ عقود، خاصة وأن (عبد الله أوجلان) ومن داخل محبسه أدان الإرهاب، وأدان جريمة إسطنبول، وهنا عندما يقول أردوغان، إنه حان وقت الحساب، يعني أنه يستغل الفرصة للاعتداء والاحتلال الدائم، فحدث ومازال يحدث الاعتداء على المواطنين الكرد المسالمين بحجة مشبوهة أن عندهم جماعات مسلحة، ثم هدد أردوغان بحرب برية، أي يريد التدخل البري في الداخل السوري، وهو أمر لا يستقيم مع النفس البشرية ولا مع حقوق الإنسان، ولو حدثت مثل تلك الحرب المُهدد بها، ربما يخسرها النظام التركي، أو يموت له فيها جنود ومدنيون، لا أحد يعلم ما قد تسفر عنه الأحداث.
المذبحة الجديدة للكرد المدنيين
مذبحة ليست جديدة، وانتقام ليس له أسباب، فالمتهمة بالتفجير عضو في جماعة داعش كما سنرى، فكيف نحمل الجريمة كلها على شعب مسالم، وبدلا من التيقن أحدث تبرير للجريمة الجديدة.
الرئيس أردوغان فعل العكس برد فعل دموي، بعد التفجير بأيام، فقد شنّت الطائرات التركية غارات على مواقع عدة في شمال سوريا وشمالها الشرقي، أسفر عن استشهاد 12 شخصاً على الأقل، سته منهم ينتمون إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي يقودها المقاتلون الكرد، وستة إلى قوات النظام السوري، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن: “إن القصف التركي طال مواقع تابعة لقوات سوريا الديمقراطية في حلب (شمال)، والحسكة (شمال شرق)، ونقاطاً تنتشر فيها قوات النظام السوري في الرقة والحسكة (شمال)”، مشيراً إلى أنّ “حصيلة القصف هي 12 قتيلاً، نقلا عن فرانس برس، وطال القصف قريتين للنازحين الكرد”.
وقال المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية فرهاد شامي: “إن كوباني، المدينة التي هزمت تنظيم داعش، تعرّضت لقصف من طائرات الاحتلال التركي”، كما أفاد عن ضربات أخرى استهدفت قريتي البلونية في ريف حلب الشمالي، وظهر العرب في الحسكة (شمال شرق).
وأوضح شامي، أن الطيران التركي قصف ويقصف “قرية البلونية المكتظة بهجري عفرين، الذين نزحوا قسرا من عفرين عام 2018″، ويستهدف أيضا “قرية ظهير العرب، التي يسكنها نازحو سري كانيه الذين نزحوا قسرا بسبب الاحتلال التركي عام 2019”.
وأعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون السورية الحكومية، أن طيرانا حربيا تركيا استهدف مواقع لـ “قسد” على طريق الدرباسية – سري كانيه، وفي مدينة ديرك بالحسكة وريفها، وأضافت الهيئة، أن الطيران التركي قصف موقعا لقسد غرب بلدة عين عيسى شمال الرقة، كما أوردت وكالة أنباء هاوار الكردية، أن القصف التركي استهدف مركز كوباني.
الداعشية المتهمة بالتفجير ليست كردية
في رد فعل عفوي قال مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية المعروفة بـ “قسد”، إن المرأة التي اعتقلتها السلطات التركية لزرعها القنبلة، التي انفجرت في إسطنبول، امرأة سورية وهي من مدينة حلب، وبهذا الشأن.
قال مظلوم عبدي، في حوار مع موقع https://www.rtarabic.com/middle: “أثبتنا، على سبيل المثال، وأنا أكشف هذه المعلومات لوسائل الإعلام لأول مرة، أن المرأة، التي اعتقلت لزرعها القنبلة تنحدر من عائلة مرتبطة بالدولة الإسلامية”.
وسرد القيادي الكردي السوري تفاصيل عن هذه المرأة:
ـ اسم الإرهابية المنفذة لانفجار إسطنبول “أحلام البشير”، وتعتنق الفكر التكفيري، وانتمت لجماعة داعش أثناء سيطرتها على أجزاء من العراق، وسوريا.
ـ أسرة أحلام البشير من حلب وجميعهم لهم ميول داعشية.
ـ ثلاثة من أشقائها لقوا حتفهم، وهم يقاتلون في صفوف تنظيم داعش، مات واحد في الرقة، وآخر في منبج، والثالث في العراق.
ـ وشقيق آخر هو قائد في المعارضة السورية المدعومة من تركيا في عفرين.
ـ كانت متزوجة من ثلاثة مقاتلين مختلفين من داعش، مثلما فعلت داعش من نساء الإيزيديات في العراق، عندما أقاموا لهنّ سوقا للسبي والنخاسة المعاصرة.
ـ ولكن أحلام البشير، كانت تستمع بالرق، والسبي، والزواج من مغتصبيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وتوجد وثائق زواج للمتهمة.
الخلاصة
يتضح أن الدولة التركية، لم تتسرع كما هو بديهي، ولكنها اتخذت حادث التفجير في إسطنبول لتضرب الشعب الكردي، كما تفعل تركيا طوال تاريخها العلماني الأتاتوركي القومي الحديث، وهذه هي عقيدتها السياسية منذ مائة عام.
فلابدّ من كشف وجه تركيا أمام العالم، ونشر مظلومية الشعب الكردي، الذي يواجه التشويه الإعلامي والسياسي قبل الإقدام على جريمة جديدة ينفذها ضد مواطنين من شعبه ودينه، ولكن جريمة الشعب الكردي أن لغته مختلفة، وهو يسعى إلى أخذ حقوقه الأصيلة… وهي مطالب نحترمها ويحترمها كل إنسان ذي ضمير حي…






