يقول إنه صنع حياته بنفسه ولشغفه بالرسم تحدى كافة المصاعب التي واجهته وتوجه إلى مدينة حلب لتحقيق حلمه، فإعاقته الجسدية لم تكن عائقاً أمام كفاحه الكبير.
محمود بكر من أهالي ناحية ميدانكه التابعة لمقاطعة عفرين، فتح عينيه في عام 1974م، ولد وهو مُصاب بمرض شلل الأطفال (مرض فيروسي معدِ، يصحبه شلل رخوي في الأطراف خصوصاً السفلى من الجسم)، وهذا ما أفقده قدرة السير على الأقدام.
عانى محمود منذ صغره من عوائق عديدة، فمدارس النظام لم تقبله في البداية بسبب شلله، بحسب ما قال، وكما أن عائلته لم تبد موقفاً تجاه ذلك وقبلت ذلك الواقع لولدها، لذلك لم يرتاد محمود المدرسة.
كان أشقاؤه يرتادون المدرسة ولحب محمود الكبير للتعلم، حيث طلب منهم تعليمه الأحرف العربية والقواعد الأساسية، وعلى هذا النحو تعلم محمود الأحرف العربية وأساسيات اللغة.
عندما بلغ محمود الثامنة، أصر على الذهاب إلى المدرسة، وبعدما وافقت عائلته والمدرسة على طلب تسجيله أصبح محمود يتعلم في مدارس ميدانكه، كان محمود دائماً من المتفوقين في المراحل الدراسية الثلاث.
لدى محمود شقيق يكبره سناً وكان له علاقات مع الأحزاب الكردية، كان مهتماً باللغة الكردية ويحضر معه الكتب الكردية إلى البيت، كان لمحمود رغبة كبيرة في تعلم لغته الأم، إلا أن شقيقه وعائلته كانوا يمنعونه.
محمود كان يقف خلف أخيه في الخفاء ويستمع إليه وهو يقرأ باللغة الكردية، كان ينظر إلى الجمل التي يقرأها ويعرف شكل الأحرف التي يلفظها، وهكذا تعلم اللفظ والقراءة، وفي العاشرة من عمره استطاع محمود تعلم الكتابة بلغته الأم.
خال محمود قد رأى فيه الرغبة في تعلم اللغة الكردية، وكان يستدعيه كل يوم إلى منزله ويعطيه الكتب الكردية وهو بدوره كان يقرأ، بهدف تطوير نفسه في مجال اللغة الكردية.
شغفه في الرسم ونجاحه
محمود كان لديه شغف كبير بتعلم الرسم عندما كان في الـ 5 من عمره، ونتيجة الضعف المادي للعائلة لم يكن باستطاعته شراء أدوات الرسم فكان يعيد استخدام أقلام التلوين التي كان شقيقه قد رماها، ويضيف إليها الماء أو مادة كيميائية، وأحياناً كان يستخدم الطين أو الحجارة وذلك بهدف الرسم عليها، لأنه أحب الرسم وكان حلمه أن يتعلم بحسب قوله.
في عام 1998م، توجه بكر بمفرده إلى مدينة حلب وأشار إلى أنه واجه صعوبات كبيرة، فقد عرف أن لا أحد غيره سيتمكن من صنع الحياة التي يتمناها.
هدفه من التوجه إلى حلب كان ارتياد معهد الفنون الجميلة، لتنمية مواهبه، لكن في العام الأول وبسبب الحالة المادية عمل في ورشة خياطة وقد أمضى ساعات طويلة في العمل، وبهذا الصدد يقول محمود بكر بأن العمل في الخياطة لم يكن من أحلامه، فقرر تركه.
لدى ذهابه إلى مؤسسات النظام السوري بهدف العمل، لم يتم قبوله مرة أخرى بسبب إعاقته الجسدية، فاضطر لفتح بسطة يبيع عليها الدخان.
يؤكد محمود بأن العمل في البسطة ترك له الوقت الكافي للذهاب إلى معهد الفنون الجميلة عام 2000م، وبعد عامين من العمل الدؤوب والتفوق، تخرّج محمود من المعهد وعاد أدراجه إلى ناحية ميدانكه.
علَّم موهبته لأطفال مدينته
طوال سنوات دراسته في معهد الفنون الجميلة، لم ينقطع محمود عن تطوير نفسه في اللغة الكردية، حتى وصل إلى مستوى جيد، في عام2006م، افتتح محمود دورة لتعليم أطفال ميدانكه اللغة الكردية وذلك بعيداً عن أنظار النظام السوري، وفي عام 2007م، عمل في تنظيم فعاليات ونشاطات ثقافية والتحضير لفعاليات النوروز، وظل يعمل كذلك حتى سنوات الأزمة السورية.
كان محمود من أحد المؤسسين لمؤسسة اللغة الكردية في عفرين، وساهم في افتتاح المدرسة الأولى في روج آفا بقرية دراقليا، كان عدد مدرسي اللغة الكردية في بداية ثورة روج آفا بمقاطعة عفرين 8 مدرسين، وقد شرعوا في العمل بالرغم من قلة الإمكانات.
كان محمود يشرف على افتتاح دورات للغة الكردية في نواحي شرا، بلبله، راجو ومدينة عفرين، وكان يخرج من المنزل في بداية الأسبوع ويعود في نهايته، وذلك بسبب مشكلة المواصلات، وبهذا الصدد قال محمود: “الإنسان الناجح هو من يصنع حياته بنفسه”.
ومن أجل إتمام عمله صنع محمود لنفسه دراجة نارية تتألف من ثلاث عجلات، وهكذا توسعت أعمال مؤسسة اللغة الكردية لتصبح لجنة التدريب في المجتمع الديمقراطي، وخلال فترة عمل محمود كان هناك أشخاصاً مرتبطين بالنظام السوري والاستخبارات التركية يهددون محمود بالقتل، فقال محمود بأنه كان يقول لهم: “أن أكون شهيد اللغة أو شهيد الثورة، أفضل من أن أخضع لتهديداتكم وأترك الثورة”.
وبعد خروج الأهالي من عفرين نتيجة العدوان التركي، خرج محمود مع الأهالي وعاد لينظّم المدرسين والمدرسات في سبيل إنجاح ثورة روج آفا والشمال السوري، وهو الآن يشرف على مدارس قرية تل شعير التابعة لناحية فافين ويتجول في هذه المدارس بدراجته النارية.
وكالة/ هاوار