No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف-
بلمسات طفولية، وصورة بقيت عالقة في عقول غضة، وألسنة صرخت بمعاناة يشهد العالم تفاصيلها، فترويها أجسادهم الصغيرة، فما بين خشبة المسرح والواقع، يتحدث أطفال مخيم واشوكاني عن واقعهم، عبر مسرحيات آلمت تفاصيلها الحجر قبل البشر، فهم لا يتحدثون عن عمل كتب من الخيال؛ هم يتحدثون عن عمل عاشوه ضمن واقعهم.
شهدوا ما جرى في سري كانيه كغيرهم، إلا أن الصورة كانت تنقش داخل عقولهم، هنا يهوي صاروخ، وهناك تسقط قذيفة، وتترك أشلاء تتناثر في المكان، أجساد كانت هنا، واختفت، ثم تلوح جثث هامدة، أرض تعبق ترابها برائحة الدماء، فترسم مخيلاتهم الجريمة المرعبة، أحداث لم تختفِ من أذهانهم، بل بقيت راسخة بعد مرور ثلاثة أعوام على الاحتلال، وكأنها نقشت على أرواحهم الصغيرة؛ فأصبحت أجسادهم وعقولهم شاهدة على جرائم غض العالم الطرف عنها.
يجسدونها في عمل مسرحي طفولي، يبدأ بأطفال جعلوا من ألعابهم ساحة مسرح، يفرغون من خلالها الصور، التي شاهدوها، وعاشوا قصصها بكل ما حملت من آلام، فتنضم أناملهم الصغيرة إلى مسرح واشوكاني للثقافة والفن ضمن المخيم، قرب مدينة الحسكة، الذي أظهر موهبتهم للعلن، وأخرج آلامهم وصرخاتهم المكبوتة، فيسمع أنينها العالم، نقشوا الصورة في عقل المشاهد كما شاهدوها، فكتبوا على جدران المسرح كلماتهم ومعاناتهم، فروت ألسنتهم الحكاية، وما حدث من الاحتلال التركي، وتطاوله على الإنسانية قبل البشرية.
أحلام ترسم بين الخيام
أطفال مخيم واشوكاني ضحايا دفعتهم ظروف الحرب، فذاقوا مرارة الشقاء، وصعوبة الفراق، فكانوا الضحية للإنسانية، فمن طفلة ذات اثني عشر ربيعاً تخاف صوت القذائف، وترتعد عند سماع هدير الطائرات، لممثلة صغيرة تخرج كل ما في داخلها على خشبة الواقع، “بيان محمد حميد” نازحة من سري كانيه، عشقت التمثيل فجمعت صديقاتها في خيمتها ويمثلن ما جرى من تهجير، ويغنين أغاني الأطفال، كأنهن على خشبة وأمام جمهور، سبع فتيات دخلن عالم المسرح، تحت اسم “فرقة الشهيدة دمهات” فكان مسرحهنّ البوابة، التي رسمن بها أول الطريق نحو الحلم.
“بيان” عشقت المسرح فمن التمثيل بين الخيام، انتقلت لتمثل على خشبة؛ كي يكون لها جمهورها، فأصبحت القصص، التي تداولتها مع صديقاتها وتناقلتها حبال الخيام، فوصلت إليهن مشاهد، يُعاد صياغها، لا لتكون ذكرى أليمة بل قصة كفاح لم ينتهِ.
وعن المسرحية، التي أعدت لتمثلها بيان وصديقاتها في ذكرى الهجوم على سري كانيه قالت: “هذا جزء صغير مما عشناه نحن الأطفال، قبل وصولنا للمخيم، فجسدنا الفرح، والحزن، والآلام، وكيف تبخر كل شيء في أول طلقة، وجِّهت نحو أرواحنا وأحلامنا قبل أجسادنا”.
والدور الذي تمثله “بيان” في المسرحية، هو الأم، التي تقتل أمام أولادها جراء القصف، فيتحول الفرح في ثوان لمأتم، وتطرقت للموضوع قائلة: “أجلس وبالقرب مني أولادي يلعبون فرحين، ثم صوت انفجار تلاه الدمار، والغبار أموت ليوضع جثماني في تابوت معلنةً أن الفرحة قد انتهت للأبد”.
تحدثت بيان عن منزلها الجميل، والحي الذي كانت تقطنه في سري كانية، وألعابها مع صديقاتها، وأحلامها بأن تصبح ممثلة مشهورة: “لقد ظننت أن حلمي تبخر، لكني اليوم أقف على المسرح، أمثل ولدي ما أقوله، فمن حقي أن أروي وأتكلم؛ ليسمع العالم ما جرى لنا خارج بيوتنا”.
واختتمت بيان حديثها: “حلمي أن أصبح ممثلة، لا لأنقل قصة كتبها أحدهم، بل لأمثل واقع عشته مع أهلي وأصدقائي، فالحكايات، التي في داخلي يجب أن تبصر النور، وأن يشعر العالم كله بآلامنا وبمشاعرنا التي انكفأت، وأتمنى أن أمثل في العام المقبل داخل سري كانية، بالقرب من منزلي في شارع الحي”.

مسرحيات تعكس الواقع والمعاناة
خلال المسرحيات جسد الأطفال عبر اللوحات، التي قدموها، معاناتهم وتشردهم وما تعرضوا له من قتل وتهجير في سري كانية، كما وناقشت مسرحياتهم قصصاً شاهدوها في المخيمات كالزواج المبكر، والتنمر وعمالة الأطفال، وغيرها من أنواع المعاناة، التي استطاع أن يتفاعل معها الجمهور لصدقها.
“فرح علي رمضان”، طفلة لا تعرف الجاني، ولكنها شاهدت الضحية، تقف مع رفيقاتها في المخيم وزميلاتها في المسرحية، تتساءل ما ذنبها لتعيش ما تعيشه اليوم؟ عيناها تتكلم، لكن صوتها قد خانها، أرادت أن توصل كلامها المبحوح للعالم؛ ليعرف أن معاناتها يجب أن تنتهي.
عانت من ضغط نفسي بعد فترة من نزوحها؛ فقد شاهدت الكثير من مسارح الجريمة، وعقلها الصغير ما عاد بمقدوره تخزين المزيد من الذكريات الأليمة، إلا أنها اليوم تقف مع صديقات تعرفت عليهن بين الخيام، تشاركهن الأوجاع والضحكات، ولكن، ما أفرحها، وجعلها مميزة في الأداء، هو المسرح كما وصفته: “استطعت اخراج ما في داخلي، وكأني بركان، وقد أنفجر”.
وتحدثت دموع فرح عن المسرحية: “ليست قصة من نسج خيالنا، وليست فلم رعب شاهدناه على التلفاز، بل كانت مشاهد حقيقية من رحلة تهجير ما زالت مستمرة حتى اليوم”.
وزادت فرح: “مرت أربع سنوات، ولكننا غرباء، لسنا في المكان، الذي يجب أن نتواجد فيه، لا هذه مدرستي، ولا هذه الخيمة البالية بيتي، ولا هذا المكان، الذي كنت ألعب به، أريد العودة”.
“”مهجرو سري كانيه: لا هذا مكاننا ولا هذي الخيم المهترئة بيوتنا””
وعن التدريبات للمسرحية، التي ستقدمها الفتيات في ذكرى الهجوم على سري كانية، قالت فرح: “لقد مثلناها بالدموع، فتأثرنا مع كل مشهد قدمناه، وكأننا نعيد الصورة، لا لنصرخ رعباً مما شاهدنا، بل ليصرخ العالم على الذنب، الذي أقترفه بحقنا”.
أطفال كبرت قبل أوانها، لتكون جيل المستقبل، الذي لن يصمت على الظلم، ولن ينسى حقه، وتختتم فرح علي رمضان حديثها: “أمي قالت لي: أننا عائدون؛ فنحن أصحاب حق وستعود لنا حقوقنا، أننا عائدون مهما طال الزمن”.

No Result
View All Result