No Result
View All Result
الشدادي/ حسام الدخيل ـ
لا تزال دولة الاحتلال التركي، تواصل سياساتها الخبيثة، بحق السكان في منطقة شمال وشرق سوريا، من خلال استخدامها المياه، سلاح حرب جديد ضد المنطقة؛ وذلك للحصول على تنازلات سياسية، وعسكرية؛ للضغط على الإدارة الذاتية.
حيث قطعت قوات الاحتلال التركي، ومرتزقتها مصدر المياه الوحيد المغذي لمدينة الحسكة، وريفها للمرة الثلاثين، منذ احتلالها محطة مياه علوك شمال الحسكة في تشرين الثاني من العام 2019.
وتعدّ محطة مياه علوك الواقعة بالقرب من مدينة سري كانيه هي المحطة الوحيدة المغذية لأكثر من مليون إنسان، يعيشون في الحسكة وريفها، وتتعمد دولة الاحتلال التركي بين الفينة والأخرى قطع المياه عن الحسكة، وتختار التوقيت الأصعب، حيث تلجأ إلى قطع المياه في فصل الصيف، وأثناء تأثر المنطقة بموجات حرارة عالية، وذلك ليكون وقع انقطاع المياه كبيراً، وذا تأثير أكبر على السكان من أجل الضغط على الإدارة الذاتية، وإجبارها على تقديم تنازلات.
نتائج كارثية
ونجم عن قطع دولة الاحتلال التركي المياه عن مدينة الحسكة، نتائج كارثية؛ تسببت بمفاقمة معاناة السكان، وخصوصاً مع ندرة المياه الصالحة للشرب، حيث بات يلجأ الأهالي لشراء المياه من الصهاريج بأسعار مرتفعة جداً، حيث بلغ سعر المتر المكعب من المياه في مدينة الحسكة قرابة 8000 ليرة، أي ما يعادل دولارين أمريكيين، بينما وصل سعر المتر المكعب في مناطق جنوب الحسكة إلى 15000 ليرة سورية، ما يعادل 3.5 دولار أمريكي، ووصل في منطقة الدشيشة المحاذية للحدود العراقية السورية، سعر المتر المكعب من المياه إلى 20000 ليرة سورية ما يعادل 4.5 دولار أمريكي.
وتحتاج العائلة إلى أربعة أمتار مكعبة من المياه شهرياً على الأقل، بشكل وسطي أي قرابة الـ 60000 ليرة، أي ما يعادل 15 دولارا أمريكياً، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة يعانيها السكان.
وتسبب أيضاً توقف محطة علوك إلى موجة عطش كبيرة في أرياف مدينة الحسكة، التي تعتمد على الصهاريج الجوالة، في الحصول على المياه؛ بسبب توجه أصحاب الصهاريج إلى مدينة الحسكة من أجل تأمين المياه اللازمة للشرب.
وعلاوة على ذلك، تسبب قطع المياه بالعديد من المشاكل الصحية، وخاصة منها المعوية بسبب شرب مياه ملوثة، وغير صالحة للشرب، مصدرها آبار غير معالجة، حيث يراجع المراكز الصحية المنتشرة في الحسكة وريفها بشكل يومي مئات الحالات المصابة بالتسمم، والتهاب الأمعاء وخاصة لدى الأطفال.
علوك ليست وحدها من قطعت
لم تتوقف سياسية تركيا الخبيثة، عند محطة علوك فقط، بل سارعت أيضاً إلى خفض حصة سوريا من مياه نهر الفرات، ووصل الانخفاض إلى حدود كارثية، حيث أظهرت صور ومقاطع فيديو لنهر الفرات من مدينة الرقة، مدى الانخفاض الكبير، الذي تعرض له منسوب مياه النهر، ووصلت كمية التدفق إلى أقل من 200م2/ ثا، على الرغم من التزام دولة الاحتلال التركي بتوريد 500م2/ ثا، بحسب الاتفاقية الموقعة مع حكومة دمشق عام 1987؛ ما يمثل خرقاً واضحاً للاتفاقيات الدولية، ضاربة بذلك عرض الحائط القوانين والأعراف الدولية كلها.
كما لم يسلم نهر الخابور الذي يعد أهم روافد نهر الفرات من شر دولة الاحتلال، حيث قطعت دولة الاحتلال مياه نهر الخابور، بشكل كامل، ومنعت جريانه داخل الأراضي السورية.
نتائج قطع مياه الأنهار
مثلما قطعت المياه من محطة علوك، التي أثرت تأثيرا كبيرا على حياة السكان المحليين المعيشية، فقد كان لقطع مياه الأنهار نتائج أخرى كارثية، وقعت على عاتق السكان في مناطق شمال وشرق سوريا بشكل كامل، حيث يعتمد السكان في هذه المنطقة بشكل كامل على مياه نهر الفرات، بالإضافة إلى اعتماد سكان مدينة الحسكة على مياه نهر الخابور، لذلك يكون تأثير قطع المياه مضاعفاً على سكان المنطقة، ونتج عنه نتائج من شأنها أن تودي بالمنطقة كلها إلى الهاوية.
تراجع الزراعة
تراجعت الزراعة بشكل كبير في مناطق شمال وشرق سوريا؛ بسبب عدم توفر المياه، حيث انخفض إنتاج القمح من 2.5 مليون طن عام 2010 إلى 400 ألف طن فقط عام 2022؛ ما ينذر بمجاعة تلوح في الأفق، قد تضرب المنطقة، حيث باتت كمية الإنتاج لا تكفي لسد حاجة المنطقة، وهذا ما بدا واضحاً وجلياً، حيث كانت هيئة المطاحن وإدارة الأفران في شمال وشرق سوريا، قد لجأت إلى خلط دقيق القمح بكمية من دقيق الذرة؛ بسبب عدم توفر الكمية اللازمة من دقيق القمح لسد حاجة الأفران.
التصحر وتراجع المساحات الخضراء
تراجعت نسبة المساحات الخضراء في شمال وشرق سوريا؛ بسبب الجفاف، الذي تتعرض له المنطقة من جهة، وقطع دولة الاحتلال التركي للمياه من جهة أخرى؛ ما سبب زيادة نسبة التصحر، وتغيير طبيعة المنطقة بيئياً، وهذا الأمر أصبح واضحاً للعيان حيث تحولت أرياف الحسكة الواقعة على ضفاف نهر الخابور إلى صحراء كبيرة، فقدت غطاءها الأخضر بنسبة تفوق الـ 80%، بعد توقف مياه النهر عن الجريان، وتتعرض المنطقة إلى موجه من العواصف الغبارية، التي تضربها بين الفينة والأخرى، وغدت تلك العواصف أحد أهم أسباب التصحر، الذي غزا المنطقة.
فقدان مصادر الطاقة
يعتمد أكثر من ثلثي السكان في مناطق شمال وشرق سوريا، في حصولهم على الكهرباء من مصادر توليد الكهرباء المركبة على ثلاثة سدود، على طول مجرى نهر الفرات، ومنسوب مياه السدود الثلاث مهدد حالياً بالوصول إلى المنسوب الميت، أي قد تفقد العنفات الموجودة على السدود قدرتها على توليد الكهرباء.
كوارث صحية وبيئية
وقد ساهم انخفاض منسوب المياه في نهر الفرات من جهة، والانقطاع الكلي لمياه نهر الخابور إلى كوارث بيئية وصحية، حيث تسبب انخفاض منسوب مياه نهر الفرات إلى نقص أمدادات المياه الصالحة للشرب عن السكان، في المناطق الواقعة على طول سرير النهر، من بلدة جرابلس شمال سوريا إلى الباغوز في ريف البوكمال عند الحدود السورية العراقية، حيث خرجت غالبية محطات المياه عن الخدمة؛ ما جبر الأهالي على شرب مياه ملوثة، كما هو الحال في مدينة الحسكة، فضلاً عن انتشار المستنقعات، والطحالب، اللذين قد يكونان السبب في عدد من الأوبئة، وأهمها داء اللشمانيا، الذي انتشر بشكل كبير في شمال وشرق سوريا، وخاصة في المناطق الواقعة على سرير نهر الخابور.

الهجرة
تسبب شح المياه في مناطق شمال وشرق سوريا، وتراجع منسوب الأنهار، وتراجع الزراعة، التي يعتمد عليها 80% من السكان إلى موجات من الهجرة سواء الهجرة الداخلية، والتي يضطر السكان إلى ترك قراهم، وبلداتهم، والتوجه إلى مناطق بحثاً عن مصدر للعيش، أو أماكن يستطيعون متابعة حياتهم بشكل اعتيادي، أو الهجرة الخارجية، التي نشطت مؤخراً، حيث توجه عدد كبير من الشباب إلى دول أوروبا الغربية هرباً من العطش، والجوع الذي سببتهما دولة الاحتلال التركي للمنطقة أجمع بعد قطعها لمصادر العيش الأساسية.
ومارست دولة الاحتلال التركي شتى الوسائل من أجل إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين، تمهيداً لمشروعها الرامي إلى تغيير ديموغرافية المنطقة، وتركيبتها السكانية، وبدأت فعلياً بهذا المشروع، حيث بنت المئات من المستوطنات في الشمال السوري في المناطق، التي تم تهجير سكانها بشكل قسري بطريقة أو بأخرى، وهي تسعى الآن أيضاً لإفراغ المنطقة من سكانها من خلال استخدامها المياه كورقة ضغط عليهم.
هذه الأعمال، والمخططات التركية كلها، أدت، وتؤدي إلى نتائج خطيرة ومعطيات أصدق ما يمكن أن يقال عنها، إنها كارثية، والنتائج واضحة للعيان بل للقاصي والداني، فيما يغض الطرف المجتمع الدولي، والمنظمات المعنية الإقليمية منها والدولية، عما تفعله دولة الاحتلال التركي، من قطعها للمياه عن شعوب المنطقة، ولم تحرك ساكنا حتى الآن، رغم العديد من الاتفاقات والتفاهمات، التي وُقعت بين الدول المعنية “تركيا، وسوريا، والعراق”، علما إن العراق يعاني الأمرين، هو الآخر جراء سرقة حصته من مياه الفرات، وبوادر كارثة إنسانية وبيئية باتت تظهر كل يوم، وبخاصة في الجنوب حيث مصب الفرات، وفي مناطق الأهوار، التي باتت هي الأخرى على شفا كارثة بيئية قادمة، لا محالة.
No Result
View All Result