سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

قفزة الخامس عشر من آب.. صرخة منتفض في مواجهة الموت

دجوار أحمد آغا 


تتميز شعوب الشرق الأوسط بثقافاتها المتنوعة، والمستمدة من تراثيها وإرثها النضالي، وهي عادة ما تكون ذات تجارب مريرة ومواجهات مع السلطات الحاكمة، التي تعتمد على أدواتها وأجهزتها القمعية في السيطرة على الشعوب، ومحاولة ترويضها من أجل التحكّم بها وبمقدراتها، والشعب الكردي لم يكن مستثنى من هذه المعادلة، فهو يستمد قوته وبقاءه من قوة شعبه وتاريخه، وعدم انصهاره، وانحلاله رغم سياسات الإبادة والقمع، والعمل على تغيير جذوره التاريخية من خلال التتريك، والتعريب والتفريس، هذه السياسات التي قامت بها الحكومات المحتلة والغاصبة لكردستان، إلا إن هذا الشعب يستمد قوته وبقاءه حياً من إرثه النضالي، من ملاحمه الأسطورية، رستم زال، كي إخسار، كاواي هسنكار، خاني جنك زيرين، درويشي عفدي، القائمة تطول إلى أن تصل لأبطال عصرنا الحالي.

 

البدايات دوماً تكون صعبة

 

عندما اجتمع القائد عبد الله أوجلان مع مجموعة من رفاقه من الطلبة الجامعيين في أنقرة على قرب سد جوبوك عام 1973، كان الحماس والروح الثورية، هما المحركان للمجموعة، التي تبنت شعار كمال بير “إن تحرر الشعب التركي يمر عبر تحرر الشعب الكردي” وحولته إلى نظرية أساسية لها، انطلاقا من مقولة القائد بأن “كردستان مستعمرة”. 

 

 

إن كراس “تقييمات حول الإمبريالية والاستعمار”، الذي كتبه القائد أوجلان مع محمد خيري دورموش عام 1975، يُعدّ أول وثيقة مكتوبة للمجموعة، أما الأحاديث، التي أدلى بها في اجتماعاته أثناء جولته في مدن كردستان (بيازيد، قارس-ديغور، ديرسم، بينغول، ألازغ، آمد، ماردين، الرها، وديلوك) خلال شهر آذار من عام 1977، فتم كتابتها، لكن العدو ومن خلال عملائه قام بالرد على هذه الجولة، التي انتهت في 15 أيار باغتيال حقي قرار بعد انتهاء الجولة بثلاثة أيام، أي 18 أيار 1977 وتخليداً لذكرى الشهيد الكبير بدأ القائد أوجلان بكتابة برنامج الحزب في خريف العام نفسه. 

 

ضربة 12 أيلول الفاشية

مع البدء بكتابة برنامج الحزب، نشطت المجموعة بشكل كبير، وانتشر أعضاؤها في سائر مدن، وبلدات، وقرى الوطن المحتل، وأصبح الشعب يتحدث علانية عن هذه المجموعة من الطلبة، التي تعمل من أجل تحرير كردستان.

 

 وقت ذاك كانت حكومة بولنت أجاويد، هي التي تحكم، ولم تستطع وفق رؤية جيش الاحتلال التركي، أن تقطع الطريق أمام تطور الحركة وانتشارها خاصة بعد إعلان تأسيس الحزب في 27 تشرين الثاني 1978، ما دفع برئيس الأركان حينها كنعان إيفرين إلى التدخل، والقيام بأكثر الانقلابات دموية ووحشية في تاريخ المنطقة بتاريخ 12 أيلول 1980، الهدف الرئيس والأساس لهذه الضربة كان وقف انتشار فكر ونهج المقاومة، الذي تبناه حزب العمال الكردستاني بين صفوف الشعب الكردستاني. 

 

14 تموز.. بداية المقاومة

 

تم زج عشرات الآلاف من أبناء وبنات الشعب الكردستاني في السجون والمعتقلات، لم يكتفِ قادة الانقلاب بذلك، بل قاموا باعتقال كل من قال “أنا كردي”، أو تحدث بالكردية، واعتقل اليساريين الأتراك لمجرد تعاطفهم مع القضية الكردية، حتى وصل به الأمر إلى اعتقال أشخاص ليس لهم أية صلة، أو علاقة مع حركة التحرر الكردستانية.

 

 وبدأت عمليات التعذيب، هذه العمليات التي تجاوزت الأساليب القمعية كلها، حيث وصلت لمرحلة القضاء على الحركة داخل السجن، وفي الخارج كانت هناك أحكام عرفية، وحالة طوارئ وقمع وكم الأفواه، أمام هذه الوحشية في التعذيب بدأت مقاومة السجون بصرخة كاوا العصر “مظلوم دوغان” “المقاومة حياة” حيث أوقد بجسده نار النوروز عام 1982، واستناداً لمقاومته بدأت حملة الإضراب عن الطعام حتى الموت، أو صيام الموت بقيادة كلا من محمد خيري دورموش، كمال بير، عاكف يلماز، وعلي جيجك، والتي انتصرت على الفاشية الطورانية. 

 

قفزة 15 آب.. الرصاصة الأولى

 

بعد مقاومة 14 تموز التاريخية، والتي استشهد خلالها أصحاب الإرادة الفولاذية، الذين قادوا هذه المقاومة، كان لابد من مواجهة العدو خارج أسوار السجون والمعتقلات، وتم القرار بالبدء بحملة عسكرية، الكفاح المسلح الذي هو السبيل الوحيد لمواجهة العدو في حربه على الشعب الأعزل، وهكذا، تم نقل مركز ثقل المقاومة إلى جبال كردستان الشماء، تلك الجبال، التي لم تنحن، لأي غازٍ ومحتل، جبال عصية على الأعداء، احتضنت الكثير من المقاتلين الشجعان وقادة الكفاح من أمثال إحسان نوري باشا، برو هسكي، سيدا رضا، علي شير وغيرهم، ممن قارعوا العدو وأسندوا ظهورهم لجبالهم، التي كانت دوماً ملاذاً آمناً للمقاتلين والثوار.

 

 أسماها القائد أوجلان بالرصاصة الأولى، التي هزت عرش الفاشية الطورانية، إذ كيف لشعب أعزل محطم مسلوب الإرادة أن يواجه ثاني جيوش الناتو صاحب القوة، والأسلحة الفتاكة! لكن كان قد تقرر الانطلاق للكفاح المسلح وبدء التحضير له.   

 

كيفية الانطلاق وأهمية بوطان

 

المؤتمر الثاني للحزب، قرر أن يتم البدء بالكفاح المسلح، وأن تكون بوطان هي نقطة الانطلاق، لما لهذا الأمر من أهمية في تاريخ نضال الشعوب في مواجهة الأنظمة المحتلة والمستعمرة، يتحدث أحد قادة حركة التحرر الكردستانية “دوران كالكان” عن البدايات بالقول: “.. وحينما ذهب الرفاق إلى بوطان رؤوا أشياء لم يروها في أي مكان من كردستان، وهذا ما منحهم حماساً ودافعا شديدين، العودة من خارج الوطن إلى بوطان، أجج الأمل في النفوس بعض الشيء، فلو كان هناك مجتمع كهذا، فإن الوطنية بخير، ولكن هذا جلب بعض الأخطاء معه، لماذا…؟ كان يعتقد أن هذا المجتمع جيد جداً ومتعلم ومدرب بشكل جيد، ومن خلال تنظيمه نستطيع أن نقاتل، ولكن توضح أن الموضوع ليس كذلك، هناك وطنية ولكن ليست مُدرّبة ومنظمة، لقد قُمع هذا الشعب مرات عدة، انتفض كثيراً، لكن تم قمعه، بعد هزيمة الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يبقَ أحد لينتفض من جديد، ولكي تصبح الوطنية ذات معنى، هناك حاجة للعقلية والتنظيم والقيادة، وهذا ما منحه حزب العمال الكردستاني، وحقق ذلك قفزة 15 آب، تبنت بوطان هذه القفزة، وانضم إليها الكثير من شباب ونساء بوطان، كانت هذه المقاومة هي حقاً مقاومة بوطان”.

 

قيادة معصوم قورقماز “عكيد” للحملة

 

كان لشخصية معصوم قورقماز “عكيد” المفعمة بالروح الثورية، والتي عانت من ظلم الاحتلال منذ الصغر حيث اضطرت عائلته للهجرة من سليفان، التي ولد بها عام 1956 إلى باطمان حيث استقرت العائلة بها. وهناك تعرف على الفكر الثوري ومن خلال مكتبة حركة الحرية المتنقلة (مظلوم دوغان) تعرف على الحركة وانضم اليها، تميزت شخصيته بالانضباط الصارم إلى جانب الروح الرفاقية المرحة، التحق بدورة تدريبية للكفاح المسلح لمدة ثمانية أشهر سنة 1980، في المعسكرات الفلسطينية في لبنان، ثم عاد للوطن مردداً جملة “سنبدأ بالكفاح المسلح ضد الدولة التركية” قاد فصيلة 14 تموز للدعاية في كردستان، وكان منذ عام 1980 عضواً للمجلس المركزي لقوات تحرير كردستان، قام بتحضيرات إدخال مجموعات مقاتلي الحرية، هؤلاء الطلبة الجامعيون معظمهم لم يرَ جبال كردستان، لكنهم عاشقون لهذا الاسم، ومستعدون للتضحية في سبيله. اجتمع القائد مع أعضائه قبل عملية “أروه” بساعات مخاطبهم بالقول:

 

“لا يجوز لأحد الخروج عن نطاق المخطط دون إذن، ولا يجوز ترك الخنادق مهما كانت الأسباب، يجب أن تكون النيران مصيبة وقاتلة، لا يجوز أن يتم استهلاك الطلقات في مكانها غير المناسب، على الرفاق أن يتجنبوا توجيه البنادق إلى الرفيق الذي أمامه، على الجميع إبداء يقظة خاصة؛ لتجنب إصابة أي مدني، يمنع النهب، وعلى الجميع التقيد بالنظام الدفاعي لعملية الانسحاب”.

 

الأهمية المستمرة للقفزة الاستراتيجية

 

تكمن أهمية هذه القفزة النوعية في تاريخ الكرد المعاصر بالدرجة الأولى في استمراريتها، هذه الاستمرارية التي تمكن الكرد من القول بأنهم موجودون، وهم شعب على قيد الحياة ويقاوم، هذا وقد ذكر القائد أوجلان أنه من خلال قفزة 15 آب ” نهض الشعب الكردي في شمال كردستان مرة جديدة، وبدأ كفاحه المسلح، وهذا يدل على أنهم لن يقبلوا بالعبودية والاحتلال، الكرد أصبحوا ذا قوة وسلطة وقادرين على مقاومة المحتلين، وسطرت هذه القفزة حياة ومقاومة جديدة في تاريخ الشعب الكردي”.

كما يتحدث بصدد ذلك الرئيس المشترك لمنظومة المجتمع الكردستاني جميل بايك في كتابة “تاريخٌ من نار” قائلاً: “.. إن قفزة 15 آب هي خطوة نحو الحرية والديمقراطية والتحرر من العبودية، ويمكن تعريفها على أنها إيقاظ ونهوض للشعب الكردي، لم تكن قفزة عسكرية فقط، صحيح أن لها جناحاً عسكرياً، ولكن قبل أن تكون عسكرية كانت قفزة سياسية وأيديولوجية وتنظيمية، وأخلاقية وثقافية، لقد كانت خطوة جديدة في الحياة”.

 

كانت صرخة منتفض في مواجهة الموت، يصنع منه حياة، صرخة أيقظت الشعب من سباته العميق، وأزالت الغبار عن عينيه وجعلته يتعرّف على واقعه الأليم والمرارة، التي يعيشها، لم تكتفِ بذلك بل مهدت له الطريق ليواجه نفسه أولاً وينتصر على الخوف، الذي زرعه العدو داخله، وثانياً ليُثبت لنفسه وللعالم أجمع، أنه مازال حياً ويستطيع أن يقاوم ويواجه العدو ببندقية، وبضعة قنابل، وبرصاصات معدودة. 

 

مقاومة الكريلا في زاب وآفاشين ومتينا هي بروح 15 آب

 

يقول القائد أوجلان: “إن كانت هناك حياة، فلتكن حرة، أو لا تكون على الإطلاق” من هذا المنطلق والمفهوم الرئيسي للحياة تستمر المقاومة الباسلة، التي تقوم بها الكريلا في مناطق زاب، آفاشين، متينا، بروح قفزة 15 آب، التي يمكننا أن نسميها الانبعاث الجديد للشعب الكردي وهي بالطبع كذلك، لكن هذه المقاومة لم تعد تقتصر على كردستان بل أصبحت تشمل جغرافية الشرق الأوسط، والعالم من خلال انضمام المقاتلين من كل الشعوب. نستذكر ليكرين الأرجنتينية، وعزيز العربي، وكمال بير اللاز، وايفانا الألمانية، وآزاد الآشوري وغيرهم المئات من المناضلين الأمميين.   

 

نختتم بما قاله أحد قادة قوات الدفاع الشعبي آمد ملاذ كرد: “..اليوم هناك مقاومة لقوات الكريلا على جبال زاغروس بروح قفزة 15 آب، بقيادة شهدائنا، كذلك هناك مقاومة من قبل شعبنا في جميع الساحات، هذه المقاومة التي أفشلت جميع حسابات العدو، هناك مقاومة لامثيل لها، العدو الذي كان يقول سأذهب وأقضي عليهم، وأبيدهم وأخرجهم من أرضهم خلال فترة قصيرة، يقف الآن عاجزاً أمام مقاومة رفاقنا، لأن حقيقة جغرافية كردستان، لا تقبل إلا اشخاصاً يملكون الإرادة والشجاعة والتضحية، الإنسان الجبان لا يستطيع الوقوف أمام مقاومة وإرادة الكريلا، هذه الجبال، لا تقبل بأمثال هؤلاء، لذلك يقوم اليوم صقور زاغروس في خنادق الحرب باصطياد هؤلاء الثعالب”.