سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

قنبلة تشاويش أوغلو ومحنة (المعارضة) السوريّة

خورشيد دلي

تصريحات تشاويش أوغلو التي جاءت خلال مقابلة تلفزيونية، يوم الأربعاء الماضي، كانت بمثابة قنبلة على رأس (المعارضة) السورية بشقيها المدني (الائتلاف) والعسكري (الجيش الوطني)، كيف لا ويعرف الجميع مدى متاجرة النظام التركي بالجماعات التي احتضنها ودعمها من أجل تحقيق أهدافه، خاصةً أن عملية بيع جماعات الإخوان المسلمين لمصر والإمارات والسعودية.. من أجل تحسين علاقات بلاده مع هذه الدول قائمة على قدمٍ وساق، وهو ما زاد مخاوف (المعارضة) السورية من بيعها في سوق البازار التركي، خاصةً أن تصريحات تشاويش أوغلو جاءت بعد أيام من قمة طهران، وسط ضغط روسي – إيراني على أنقرة لإعادة علاقاتها السياسية بدمشق، وذلك في إطار مساعي محور أستانة لوضع نهاية لمسار محور جنيف، والقرار الدولي 2254 الخاص بإيجاد حل سياسي للأزمة السوريّة.
مع خوف أوساط (المعارضة) السوريّة من أن تشكل تصريحات تشاويش أوغلو منعطفاً في الموقف التركي من الأزمة السورية، بدت هذه  المعارضة التابعة لتركيا أمام ثلاث مستويات، مستوى الائتلاف الذي تقول التقارير إنه منقسم على نفسه، بين من يريد إعلان موقف واضح من هذه التصريحات، وبين من يريد التريث لمحاولة فهم الموقف التركي الجديد ومداه، وبسبب هذا الانقسام قرر الائتلاف إدراج هذا الموضوع في الاجتماع المقبل لهيئته السياسية العليا، ومستوى الجيش الوطني الذي التزم الصمت باستثناء موقف عدد من قادته الذين أبدو الاستياء والخشية من تصريحات تشاويش أوغلو، ومستوى المؤسسة الدينية الخاصة بـ(المعارضة) وتحديداً المجلس الإسلامي السوري الذي ذهب إلى التركيز على محاربة النظام بوصفه منتجاً وحليفاً لقسد، ولذلك طالب بتركيز الحرب عليه طريقاً للقضاء على “قسد”.
في الحديث عن تصريح تشاويش أوغلو، ثمة أسئلة كثيرة تطرح نفسها، لعل أهمها، هل كان هذا التصريح يعبّر عن تحول حقيقي في موقف النظام التركي من النظام السوري؟، وهل سيتبع هذا التصريح خطوات أخرى تقلب الموقف التركي لجهة الذهاب إلى إقامة علاقات سياسية مع دمشق؟ أم أن هذا التصريح كان مجرد زلة لسان لتشاويش أوغلو وسيخرج الأخير لتصحيح تصريحاته كما يقول بعض السياسيين الأتراك؟.
في الحقيقة ربما لا هذا ولا ذاك، وإنما التصريح جاء تعبيراً عن عقلية تركية مستمدة من السياسة العثمانية الخبيثة التي عملت على الدوام لإشعال الفتن والحروب بين من تصفهم بالخصوم، وضربهم ببعض بغية إضعافهم وصولاً إلى التخلص منهم، وعليه يمكن فهم تصريح أوغلو على أنه تحريض على إشعال حرب داخلية بين النظام السوري و”قسد” لصالح السياسة التركية من خلال إضعاف الطرفين، ومن ثم التمكن من فرض أجندتها، وإفساح الطريق لعمليتها العسكرية الجديدة بعد أن فشلت حتى الآن في الحصول على ضوء أخضر من روسيا أو الولايات المتحدة للقيام بمثل هذه العملية.
في الواقع، تصريحات تشاويش أوغلو شكلت صدمة قوية في أوساط (المعارضة) السورية التابعة لتركيا، إذ وضعتها في حيرة مصيرية، وأثارت لديها المخاوف من أن تتخلى تركيا عنها أو حتى تسليم بعض قادتها لدمشق، وعليه ثمة تقارير تتحدث عن بدء عدد من قادة المعارضة البحث عن أماكن أخرى خارج تركيا للانتقال إليها، خوفاً من ذهاب تركيا إلى أقصى المدى في الانعطاف نحو دمشق، ولعل ما قد يشجعها على ذلك هو انسداد العلاقات التركية – الأمريكية بخصوص “قسد”، بعد أن أكدت الإدارة الأمريكية رفضها الاستجابة للطلب التركي بالتخلي عن حليفتها قسد.
من دون شك، أشعرت تصريحات تشاويش أوغلو (المعارضة) السورية بخطرٍ مصيري يهددها، خاصةً بعد أن وضعت جميع بيضها في السلة التركية، والسؤال هنا، هل ستبقى هذه (المعارضة) على نهجها القديم في التبعية الكاملة لتركيا كجنود ومرتزقة في خدمة تنفيذ أجندتها أم أن تصريحات تشاويش أوغلو ستشكل بداية صحوة في البحث عن خيارات جديدة؟ ولعل الامتحان الحقيقي لهذه الصحوة هو رفض العمل لصالح الأجندة التركية وعلى رأسها رفض الانخراط في العملية العسكرية الجديدة التي قالت أنقرة مراراً إنها ستنطلق في أي وقت.