سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

قصر ابن وردان بين حقيقة سطّرها التاريخ وخرافة رائحة الورد

“تطلعت صوب الصحراء فوجدتها منبسطة تمتد نحو 1500 ميل حتى البساتين التي تحيط بدمشق، وهبت نسمة صحراوية حولي فتراءى لي ذلك القصر المهجور في سوريا الذي زاره لورنس. كان العرب يعتقدون أن أميراً بناه ليكون القصر الصحراوي لمملكته، وزعموا أن طينه معجون بعصير الزهر”.
هذا الاقتباس من كتاب “الرمال العربية” للرحالة البريطاني ويلفريد ثيسيغر يقدم مدخلاً حسياً للأجواء المحيطة بقصر ابن وردان، ويحرض الحواس كلها على خوض تجربة الصحراء، إذ يروى على لسان أهل المنطقة قصة شعبية متوارثة تتحدث عن رؤيا راودت أحد الملوك عن نهاية حياة ابنه الوحيد بلدغة عقرب، ليقوم الملك بعد استشارة حكمائه ووزرائه ببناء القصر من الآجر المشوي، بعد جبل طينته بماء الورد المخلوط بالمسك، اعتقاداً منه بقدرة هذه المادة على طرد العقارب، ويروى أن رائحة طيبة مازالت تفوح من المكان في فصل الشتاء وعند هطول الأمطار.
حصن دفاعي
ويقترب بناؤه كثيراً من طرز المباني الملوكية في القسطنطينية في عهد الإمبراطور البيزنطي يوستنيانوس (جستنيان الأول) الذي يرجح أنه كلف المعمار اليوناني إيزيدور ميليتس ببنائها، وكان هذا القصر واحداً من الحصون التي بناها الإمبراطور كجزء من محاولته لاستعادة مكانة الإمبراطورية الرومانية كقوة كبرى، فأمر ببناء حصون حدودية للدفاع عن إمبراطوريته، فكان قصر ابن وردان جزءاً من خط دفاعي مع الرصافة وحلبية ضد الإمبراطورية الساسانية.
ولم يرد ذكر القصر في أي من المراجع القديمة مثل معجم ياقوت الحموي وغيره، ولكن ورد أول وصف للقصر في المجلة الأثرية الكتابية الألمانية المطبوعة في النمسا عام 1884 على يد المستشرق الألماني جوهان موردتمان، لتبدأ بعده مجموعة من السياح بنشر صوره وأوصافه، ثم جاء الوصف الواسع المستوفي مع نقوش وتصاوير وغيرها في منشورات البعثة الأميركية في جامعة برنستون عام 1920.
دير الأقواس
وكان القصر قديماً عبارة عن دير سُمّيَ “دير الأقواس”، ثم حوِّل إلى قصر في العهد العثماني، وتشكل جدرانه الخارجية صفوفاً من الأحجار المتباينة الألوان على طريقة الأبلق، بحيث تتناوب ثلاثة مداميك من الأحجار السوداء تعلوها مجموعة صفوف من ألواح الآجر الكبيرة الضاربة للصفرة والمدعمة بملاط قوي، أكسبت البناء إلى جانب الميزة الجمالية صلابة وجودة.
أما جدرانه الداخلية فبنيت من الأحجار الجيرية البيضاء وزينت بالأعمدة الرخامية، وتميزه كثرة أقواسه المبنية بعضها من الحجارة البازلتية وبعضها الآخر من القرميد، إذ جلب البازلت من مناطق بعيدة في الشمال أو الجنوب، ويعتقد أن الأعمدة الرخامية قد أُحضرت من أفاميا.
باب يدخلهُ كل الأبرار
أما الكنيسة فتتوضع أطلالها غرب القصر مباشرةً، ويستقبلنا على باب مدخلها الجنوبي عتب من البازلت منقوش عليه تاريخ بنائها، وعلى المدخل الآخر عبارة “هذا الباب صنعه الله يدخله كل الأبرار”، وعليه عدد كبير من الرموز والخطوط ذات الدلالات الدينية.
وبُنيَ على شكل مربع وكان يحتوي على صحن مركزي وممرين جانبين، وتعلوها قبة كبيرة تتركز فوق قناطر تستند إلى دعائم ضخمة وتقدم مثالاً على تقنيات بناء القبة البيزنطية الباكرة، لكن لم يتبقَ منها اليوم سوى أجزاء متهدمة، وجاء صحن الكنيسة بشكلٍ متطاول ينتهي بحنية مدورة، وكان ثمة صحون تالية تمتد في كل جانب.
وللكنيسة رواق علوي ذو ثلاث قناطر يشرف على داخلها، ولا تزال جدران طابقها السفلي والرواق العلوي وقسم من نصف القبة وقنطرتها الكبرى ماثلة، ويظهر تشابه بينها وبين القصر من الناحية المعمارية ولكن بشكلٍ مصغر أكثر، وتشبه الكنيسة العديد من الأبنية التي بنيت في الفترة ذاتها بعهد يوستنيانوس، مثل كنيسة آية صوفيا في القسطنطينية وكنيسة سان فيتال في إيطاليا.
أما الثكنة فتقع جنوب شرقي القصر والكنيسة، وكان لها سوران بينهما غرف ذات قبب وفي داخلها فناء رحب في وسطه بناء عالٍ ذو طابقين وقبب عدة، لم يتبقَ منها سوى أجزائها العلوية وباب مدخلها الكبير في الشمال وبعض الأجزاء المتفرقة.
وكالات