إعداد/ بيريفان خليل_
كثيراً ما يحدث في حالات النزاع، تجاوزات لا أخلاقية، تطال فئة ضعيفة في المجتمع، في زمن الصراعات، وهذا ما نشهده في صراعات العصر الحديث من العنف الجسدي المُمارس، يطال النساء والأطفال البريئة بالدرجة الأولى، بالرغم من المناشدات الكثيرة بالمؤتمرات العالمية، التي تطالب الحد من هذه الظاهرة، فلا تتفق الأفعال بالأقوال.
تستعرض الأمم المتحدة العنف الجنسي الممارس في حالات النزاع في اليوم الدولي المخصص؛ للقضاء على هذا العنف، والذي يصادف 19 حزيران من كل عام، وفي كل عام هناك شرح، وتوضيح للواقع المعاش في الدول، التي تشاع فيها النزعات، وخلال عام 2022 تبين إلى أن العنف يزداد، ويجب تحمل المسؤولية تجاه هذه الظاهرة، خاصة إن الأطفال والنساء، هم أكثر الضحايا.
الجناة نادراً ما يحاسبون
وفي تفاصيل أدق تبين، أن ترك الجناة دون عقاب لأفعالهم هي أحد أسباب تزايد العنف الجنسي في حالات النزاع، وقال الأمين العام للأمم المتحدة: إن العنف الجنسي أصبح أسلوبا قاسيا من أساليب الحرب، والتعذيب، والإرهاب، والقمع، الذي “يرهب السكان، ويدمر الأرواح، ويقسم المجتمعات”.
وفي رسالته بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع، الذي يُحتفل به يوم الأحد الموافق لـ 19 من حزيران، أشار الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، إلى أن الجناة نادراً ما يحاسبون على ما اقترفت أيديهم.
وأضاف: “إن الناجين هم الذين يتحمّلون عبء وصمة العار، والصدمة طوال حياتهم، وتتضاعف في أحيان كثيرة المحنة المسلطة عليهم؛ جراء الأعراف الاجتماعية الضارّة، وبإلقاء اللوم على الضحايا”.
الرقم ليس سوى غيض من فيض
وفي التقرير، تم الكشف بأن الأطفال والنساء، هم الأكثر تأثيراً بهذه الظاهرة، فقد أصبحوا ضحايا للعنف الجنسي، مثل غيرها من أشكال العنف، هذا ما أكدته ممثلة الأمين العام المعنية بالأطفال والنزاع المسلح، فيرجينيا غامبا لدى كشفها عن الإحصائية العامة لأطفال كانوا ضحايا العنف الجنسي 14200 طفل على الأقل، لتصف الواقع بالعبارة “ليس سوى غيض من فيض” في إشارة منها إلى أن العدد أكبر من ذلك، ولكن ما تم التحقق من وجوده هو الرقم الذي كشفت عنه.
وتعقيباً على ذلك قال غويتريش: بأنهم متضامنون لدعم النساء والفتيات، ندعم النساء والفتيات والرجال، والفتيان الأكثر ضعفا، وهم يناضلون من أجل العيش بكرامة وسلام في خضم الأزمات الإنسانية” بما في ذلك عن طريق زيادة الدعم للضحايا، والمشرّدين المعرّضين للاتجار، والاستغلال الجنسي.
ضرورة مطابقة القول مع الفعل
ولأن المناطق الريفية وفق ما أكده غويتريش ذات أنظمة حماية ضعيفة، فإنها بحاجة إلى تركيز؛ للحصول على دعم إضافي، وهذا يعني تعزيز أنظمة العدالة الوطنية لمحاسبة الجناة، وضمان حصول الضحايا على الدعم الطبي والنفسي، ودعم حقوق الناجين.
إضافة إلى ذلك، طرح الأمين العام، بأنه ينبغي دعم منظمات المجتمع المدني، التي تقودها النساء لكسر الحواجز الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية التي تمنع الحماية، والمساواة والعدالة، وكذلك معالجة الأسباب الكامنة وراء العنف الجنسي في النزاع، مشدداً على “مع زيادة العزيمة السياسية والموارد المالية، يمكننا مطابقة الأقوال بالأفعال، وإنهاء بلاء العنف الجنسي في حالات النزاع، مرة واحدة وإلى الأبد”.
124 تقريراً لحالة العنف الجنسي في النزاعات
دعوات أممية، أطلقها ممثلون للأمم المتحدة، لإنقاذ الأجيال المقبلة من آفة العنف الجسدي، حيث أصدرت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في النزاعات، براميلا باتن، والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، جوزيب بوريل، دعوة مشتركة للمجتمع الدولي للمساعدة في القضاء على العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، “وإنقاذ الأجيال المقبلة من هذه الآفة.”
وأضافا في البيان المشترك: “لقد حان الوقت لتجاوز النُهج التفاعلية ومعالجة الأسباب الكامنة والدوافع غير المرئية للعنف الجنسي… وكذلك الأعراف الاجتماعية الضارّة المتعلقة بالشرف والعار، وإلقاء اللوم على الضحايا”.
ولأن هذا العام شهد توترات عسكرية، وحروباً أثرت على المدنيين في مناطق عدة، وفي مقدمتها أوكرانيا، الذي نشبت فيها حرباً بين الروس والأوكرانيين، فبعد مرور أكثر من 100 يوم على الحرب في أوكرانيا، قالت المسؤولة الأممية براميلا “إننا نواجه ادعاءات متزايدة بشأن العنف الجنسي”، فحتى الثالث من حزيران، تلقى فريق رصد حالة حقوق الإنسان التابع لمفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تقارير عن 124 عملا مزعوما من أعمال العنف الجنسي المتصل بالنزاع، التي حدثت ضد النساء والفتيات، والرجال والفتيان في عدد من المدن الأوكرانية، تشكل النساء معظم الضحايا لأعمال العنف هذه.
وشملت الانتهاكات ضد الرجال الاغتصاب، ومحاولة الاغتصاب، والتجريد العلني القسري، والتهديد بالعنف الجنسي. ويجري التحقق في هذه الحالات، وفقا للمسؤولة الأممية.
وأعرب الممثلان عن صدمة عميقة، إزاء تأثير الحرب في أوكرانيا على المدنيين، وعن قلقهما البالغ إزاء الشهادات الشخصية المروّعة، ومزاعم العنف الجنسي المتزايدة “ندين بشدة مثل هذه الجرائم، وندعو إلى وقف فوري لأعمال العنف”.
الانقلابات العسكرية عامل مساعد
ما زاد العنف الجنسي وتيرة في بعض المناطق، هو الانقلابات العسكرية فمن أفغانستان إلى غينيا، ومالي، وميانمار وغيرها من المناطق التي تعيش ظروف هذا الواقع، وعلى هذا الأساس عبر الممثلان، على أن “وباء الانقلابات والاستيلاء العسكري أعاد عقارب الساعة إلى الوراء، فيما يتعلق بحقوق المرأة”.
ومع تصاعد أزمات جديدة، تستمر الحروب في أماكن أخرى، بما في ذلك جمهورية أفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والصومال، وجنوب السودان، وسوريا واليمن.
ويتميز كل منها بمستويات مقلقة من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع المستخدم، كأداة للقمع السياسي والترهيب، والانتقام من الجهات الفاعلة، والناشطين في الخطوط الأمامية.
رأي دولي للمنظور الجنساني
وللتخلص من هذه الظروف بيّن الممثلان بأنه: “من الأهمية بمكان تعزيز بيئة رادعة، تحمي من العنف الجنسي، وتمنعه في المقام الأول، وتتيح الإبلاغ الآمن والاستجابة المناسبة”، مشيران إلى أن الوقاية هي أفضل شكل من أشكال الحماية، بما في ذلك منع نشوب الصراع نفسه.
وقالا: إنه لمواجهة العنف الجنسي، هناك حاجة إلى مزيد من المشاركة السياسية، والدبلوماسية في وقف إطلاق النار واتفاقات السلام، وتحليل نمط التهديدات، وتعزيز العدالة المراعية للمنظور الجنساني، وإصلاح قطاع الأمن؛ وأيضا من أجل إعلاء أصوات الناجين، والمجتمعات المتضررة.
وتعهد الطرفان بالالتزام بدعم الناجين، وإنهاء إفلات الجناة من العقاب. وحثّا المجتمعات على أن تنظر للناجين “على أنهم أصحاب حقوق، ويجب احترامها، وإنفاذها في أوقات الحرب والسلام”.
ندوب لن تمحيها الزمن
أما فيما يتعلق بالآثار الناجمة عن العنف الجنسي، فإنها تشكل ندوباً ليس فقط في الجسد، إنما في النفس أيضاً، فمن الصعب محوه من الذاكرة والنفس، هذا ما أوضحته ناتاليا كانيم، رئيسة صندوق الأمم المتحدة للسكان، إنه “عندما تبدأ الحروب، يبدأ الإرهاب والدمار الناتج عن العنف الجنسي”.
وتستغل ساحات الحرب لممارسة أعتى أشكال العنف، ومنها العنف الممارس ضد المرأة، وعن هذا الموضوع أفادت الرئيسة بأن أجساد النساء، والفتيات تتحول إلى ساحات قتال: “يتم استخدام الاغتصاب كسلاح حرب تماما مثل القنبلة، التي تنفجر في مبنى أو الدبابة التي تخترق حشدا”.
وتحدثت بالتفصيل عن العواقب العديدة للعنف الجنسي، من تعذيب الأجساد إلى الندوب النفسية. وقالت: إنه يُسكت ويُخجل النساء، ويزرع الخوف وانعدام الأمن ويترك إرثا مدمرا من خلال الإعاقة الدائمة والأمراض المنقولة جنسيا، وفقدان الأجور وتكاليف الرعاية الصحية ووصمة العار للناجيات وأسرهن.
جريمة بموجب القانون
وعلى الرغم من أن ممارسة هذا النوع من العنف تعد جريمة بموجب القانون الإنساني الدولي إلى انتشاره بات علناً، حيث ذكّرت ناتاليا: بأن العنف الجنسي “انتهاك لحقوق الإنسان، وجريمة بموجب القانون الإنساني الدولي” لا ينبغي تجاهلها أو تبريرها، أو التقليل من شأنها”، مضيفة بأن “”في الواقع، لا ينبغي أن يحدث على الإطلاق”.
وأشارت إلى حجم، وانتشار التفريق بين الجنسين، والعنف القائم على النوع الاجتماعي في جميع المجتمعات، في كل مكان، وهو حقيقة غير مقبولة لا تتفاقم، إلا بسبب الأزمات والصراعات.
وتعهدت رئيسة صندوق الأمم المتحدة للسكان بالوقوف وراء التحقيقات والمحاكمات، التي تركز على الناجين في مزاعم العنف الجنسي والقيام “بكل ما هو ممكن؛ لعرقلة عدم المساواة بين الجنسين، الذي يغذي جميع أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي.”