No Result
View All Result
حسن محمد علي
رفيقي فرهاد صعقني اتصال هذا الصباح عن استشهادك.
لملمت اتصالاتي، وبحثت في خبايا تأكيد الصاعقة.. صاعقة استشهادك يا فرهاد.
رغم تأكيد الرفاق أن الصاعقة وقعت، إلا أني بحثت لدى رفاقي في باشور كردستان، علّ خبر الصاعقة يترنح، علّ القتلة الغادرون فَشِلوا في استهدافك، علّ الموت أخطأ بوصلته، وضاعت عنه طرق الوصول إليك.
أكّد الرفاق استشهادك، لم يُضيع القتل بوصلته، لم تغب عن الطرق مساريب الوصول إليك.
ألتقيتك قبل عشرين يوماً، في ذلك اللقاء الذي جمعنا على ماضٍ نضالي وحاضر يصارع البقاء ومستقبل يلزمه البناء. تحدثت عن آخر جولتك إلى كل مناطق شمال وشرق سوريا من الشهباء إلى منبج إلى كوباني إلى الطبقة والرقة ووصلت إلى الجزيرة وختمتها في ديرك.
لم تكن جولتك يا فرهاد وداعية، لم نعِ أن عينيك الحرتين كانتا تودعان الآفاق في تلك المساحة من الوداع والذكرى، سالت تفاصيل كلماتك مزيجاً من القوة والإرادة. لم نكن نعرف أنه الوداع الأخير، لم نعِ اللحظة يا فرهاد..
وكأنك توصينا: “احموا شمال وشرق سوريا.. احموا إنجازاتكم.. ودافعوا عن القيم.. قد لا أتمكن من رؤيتكم ثانيةً.. احرصوا ودافعوا وتوهجوا وقاوموا.. التحديات كبيرة، والمهام كبيرة، والحلول يجب أن تكون على قارعة الطريق..”
أين الوداع يا رفيقي في هذه الجمل الملونة..
لقد كان وداعاً يا فرهاد.. لقد كان وداعاً..
خلف عتبة الباب الخارجي صافحتك، عانقتك، على أمل لقاء قريب قادم.. هل تذكر يا فرهاد، في لحظة الفراق تلك، تحدثت عن رحلتك الجديدة، عن وطن بحجم القلب، وتحدثت عن الشعب، عن قوة بحجم الكون.. وفي هذا الصباح نفد الموت إلى ثناياك..
هذا الصباح نفّذ الموت المهمة.
كنت فرهاد كوباني، وفرهاد تل أبيض، وفرهاد الحسكة، وفرهاد عفرين، وفرهاد قامشلو، وفرهاد ديرك، وفرهاد عين عيسى وفرهاد الرقة… كنت فرهاد الشهداء.. فرهاد عوائل الشهداء..
هل تذكر تفاصيل الأمل والألم في المناطق المحررة، وتفاصيل بناء الإدارة الذاتية، وعلى هامش الأعمال الكبيرة، يأتي انخراطك بين الناس، تطبيقاً لكل المبادئ التي زرعتها الثورة في نفسك، في كشف قيمة الإنسان، الإنسان باعتباره قيمة عُليا.
تفاصيل كثيرة، تشير إلى قيمة الإنسانية لديك، وتشير إلى جوهر الإنسان لديك.
تفاصيل فرهاد، الثوري صاحب المواقف والقوة والتخطيط في الوصول إلى الحل..
فرهاد الحنون كطفل، والصلب كطلقة مسدس.
فرهاد المستقبل في حزب سوريا المستقبل، ودوره الأمين في الأمانة العامة..
فرهاد المقام، وفرهاد الوظيفة، في الحزب وفي الإدارة.. أعطونا المهام ونحن نوقدها في الإدارة…
فرهاد روج آفا الذي شارك في مراحل التأسيس العظيمة، بكل تعبها وأرقها ونجاحها..
فرهاد الأب، الذي يُحضر أكياسه من الطعام والمؤونة، حين كنا في التدريب..
فرهاد الأحاديث، الذي تظهر في كلماته ما لا يمكن له أن يخفيه..
فرهاد الموقف، الذي يتعامل مع الحالات الحرجة بكل صلابة ومهنية..
فرهاد المبادرات، في اللحظة التي يحتاج الموقف لمبادرات..
فرهاد المقاتل، وفرهاد القائد.. فرهاد المعلم، وفرهاد السياسي وفرهاد التنظيم..
فرهاد الأممي، بكل تفاصيل هذا العالم الملون بالقوميات..
فرهاد المغامر، الذي لا يعرف للمغامرة حدود، طالما القضية مسألة حياة أو موت..
يا رفيقي الشهيد.. يا رفيقي فرهاد، عندما أغوص في الذكريات، أرى نفسي في بحر فرهاد.. اعذرني يا رفيقي.. بحرك واسع.. ومن المحال أن نلثم أبعاده مهما غصنا في أعماقه…
اليوم أنجز الموت مهمته.. اليوم نفذ الغدر وظيفته.. اليوم نعرف أكثر من أي فترة سابقة، أن هذا الموت الغادر، لن يقطع السلسلة، ولن يصل إلى غايته.. اليوم نعرف يا فرهاد، أن وداعك هو حياة جديدة، أن فراقك هو تواصل جديد، وأن غيابك، ما هو إلا جولة صغيرة، وأن فرهاد الغائب هو بداية لصعود “الآلاف من فرهاد” مستندين إلى نظريتك، وجهدك ونضالك وبحرك..
رفيقك حسن محمد علي.
No Result
View All Result