سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أساليب الحقيقة

صلاح الدين مسلم_

تحطّم الدين في الغرب، فعيسى عليه السلام شرقيّ، وكلّ الأديان منبعها الشرق، ولم يتحطّم كثيراً في الشرق، صحيح أنّ الشرق يعيش مرحلة اغتراب وابتعاد عن الهويّة في دمج ما بين الدين الشرقيّ، والعلم الغربيّ، لكنّ الدين قد أُبيد في الغرب، وصار العلم مقياس كلّ شيء.
أضحى الأسلوب الفلسفي مرافقاً للأسلوب الدينيّ، فقد ظهرت الفلسفات المثاليّة التي كانت مكمّلاً للأسلوب الدينيّ الأخلاقيّ، وظهر بالمقابل الأسلوب الفلسفي المادّي الذي مهّد للأسلوب العلمي، وقد كان سقراط وأفلاطون الممهّدَين للفلسفة المثالية التي دعمت الدوغمائية الدينية التوحيديّة، وبالمقابل كان أرسطو الممهّد للفلسفة الماديّة، وإن استفادت الدوغمائية الدينية التوحيدية من أرسطو أيضاً.
كانت الفلسفات المثاليّة أقوى من الفلسفات المادية في الشرق، (بوذا – كونفوشيوس – زردشت…) وقد قطعت الأخلاق الإنسانيّة شوطاً عظيماً بفضل هؤلاء المثاليين، وأفكارهم القيّمة الجميلة، ممّا أدّى إلى تأسيس علم الجمال، الذي كان روح المجتمع الإنسانيّ، وأرقى ما وصلت إليه الإنسانيّة، وكان تأثير أفلاطون على الشرق أكثر من تأثير أرسطو، وقد ترجمت كتب أفلاطون إلى الشرق، وتأثر بها الفلاسفة العرب والمسلمون، فقد كانت روحانيّة الشرق عنواناً بارزاً لسحر الشرق، بالمقابل استطاع أرسطو أن يخلّف تياراً فكرياً يعدّ بيكون وديكارت نقطة الانفجار لهذا التيار الذي مهّد للثورة العلميّة في الغرب، ما أدّى إلى كلّ هذه الطفرة العلميّة في خمسمئة السنة الأخيرة، من الاختراعات والاكتشافات الغربيّة.
كان الأسلوب الفلسفيّ المثالي مكمّلاً للميتافيزيقيا والدين التصوفيّ التزهّدي، واختلط عالم الدين والفيلسوف المثاليّ، وأضحت الفلسفة الماديّة أيضاً نتاجاً تصوّريّاً لعالم تندمج فيه القوى الماديّة والمثاليّة معاً، فقد ظلّ المنطق الأرسطي مسيطراً على تفكير الفلاسفة المادّييّن، إلى أن جاء بيكون ونسف كلّ الإرث الفلسفيّ.
بات الأسلوب العلمي ثورة على الأسلوب الدينيّ في الغرب، وكان روجر بايكون وفرنسيس بيكون وديكارت وغيرهم روّاد هذه الثورة، وقد كانت أوروبا أرضاً ممهّدة للخلاص من الدين، بسبب القرون الوسطى التي كانت مجزرة للعلم، فقد سيطر الأسلوب الميثولوجي والديني ردحاً من الزمن على أوروبا كما أسلفنا، ومهّدت الدوغمائيّة القروسطيّة لحصول هذا الانفجار. لقد غدا العلم قوّة، فمن يمتلك مفاتيح العلم يستطيع أن يقود المجتمع، فقسّم المجتمع إلى جاهل متخلّف، وإلى عالم قائد، فمن كان يمتلك ثقافة المجتمع في معرفة الفلكلور والتاريخ الشفاهي والثقافة المجتمعيّة ليس عالماً، إنّ من يمتلك الشهادة العلميّة الموثّقة من الترسانة العلميّة العالميّة هو المثقّف والعالم.
كان العلماء دائماً شغوفين بالبحث عن الحقيقة، فلم يكن هدف العلماء تدمير الكون، كان هدف العلماء إنقاذ البشريّة من هذه الأصنام، وقد أعدم كثير من العلماء نتيجة مخالفتهم لتقاليد الكنيسة، وكان بيكون عالماً يبحث عن الحرّيّة والحقيقة، وهو الأسلوب للخلاص من هذه الدوغمائيّة، لكن سيادة هذا الأسلوب قد حطّمت البشريّة عوضاً عن أن تنقذها، فالقنابل النووية والعنقودية…. وحروب المعلومات والبنوك والصحة…. باتت تدمّر البشريّة، فعن طريق العلم وصل الاحتكاريّون إلى ترسانات من المال والسيطرة على مقدّرات العالم، وهذه الشركات العملاقة العابرة للقارات هي التي تحكم الكون، وهي التي ترسم المجال العلمي الذي يجب على العلماء أن يسيروا فيه.